كشفت صحيفة تايمز أوف إسرائيل والقناة 12 العبرية عن أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي، على خلفية سلوكيات وصفت بأنها “غير أخلاقية ومهينة” صدرت عن السفير الإسرائيلي في أبوظبي، يوسي شيلي، داخل أحد الملاهي الليلية، حيث اتُهم بالتحرش بنساء إماراتيات وتباهى بمنصبه الدبلوماسي في أجواء صاخبة.

وبحسب ما نقلته القناة عن ثلاثة مصادر مطلعة، فقد أظهر شيلي سلوكًا “غير مألوف ومهين” خلال تواجده في حانة برفقة إسرائيليين، ما دفع الإمارات إلى توجيه رسالة حازمة عبر قنوات غير رسمية إلى تل أبيب جاء فيها: “سفيركم أهان شرفنا”.

ورغم محاولات التعتيم، أكدت القناة أن حراس السفير أنفسهم كانوا شهودًا على الواقعة، ورفعوا تقارير إلى الجهات الأمنية الإسرائيلية، ما زاد من الحرج داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية في تل أبيب. وكشفت القناة أن الإمارات طالبت بشكل غير مباشر بسحب السفير فورًا، واعتبرت تصرفه “مساسًا بالقيم الأخلاقية للدولة، وإهانة للمكانة الدبلوماسية”.

“الأزمة تفضح هشاشة التطبيع.. من التمور إلى التحرش”

تأتي هذه الفضيحة في وقت تروّج فيه وسائل الإعلام الرسمية في أبوظبي وتل أبيب لرواية العلاقات “الاستراتيجية” و”الصداقة العميقة” بين الطرفين منذ توقيع “اتفاقيات إبراهيم” في أغسطس 2020. لكن هذه الحادثة لم تكن الأولى التي تهز هذه العلاقة الهشة؛ فقد سبقتها خلافات تنظيمية وتجارية، أبرزها أزمة إدخال شحنة تمور مخصصة للاستخدام الداخلي في السفارة الإسرائيلية في أبوظبي.

ففي يونيو 2024، كشفت القناة 12 أن السلطات الإسرائيلية منعت إدخال 100 كيلوغرام من التمور المحتوية على نوى، كانت مخصصة للسفارة ومقر إقامة السفير، بذريعة “عدم استيفائها شروط الاستيراد”، ما أثار غضب الجانب الإماراتي.

الإمارات بدورها طالبت وزارة الخارجية الإسرائيلية بالتدخل، إلا أن وزارة الزراعة رفضت تقديم أي تنازل، في مشهد أظهر أن التنسيق بين الجانبين أقل بكثير من مستوى “التحالف الاستراتيجي” المزعوم.

وما بين التحرش في الحانات، ومنع التمور من الدخول، تتكشف جوانب من الخلل البنيوي في العلاقة التي تحاول الأنظمة الرسمية تجميلها بخطابات وردية. فالإمارات رغم ما قدمته من تطبيع سياسي واقتصادي، لا تزال تواجه غطرسة الاحتلال، الذي يتصرف وكأنه الطرف المتفوق، حتى داخل أراضي “الشريك الجديد”.

“الإسرائيليون يرتعون في أبوظبي.. والإمارات تدفع الثمن”

في جوهر الأزمة، لا تكمن الفضيحة في تصرفات السفير فحسب، بل في طبيعة العلاقة التي سمحت لمثل هذا النموذج من الشخصيات بالتغلغل داخل دوائر القرار الإماراتي. فـ يوسي شيلي ليس دبلوماسيًا عاديًا، بل كان مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويحمل تاريخًا من العلاقات السياسية الحساسة، ورُشّح لهذا المنصب في أبوظبي في إطار تكريس التحالف بين الجانبين.

اليوم، وبعد ما كشفته القنوات العبرية، تبدو أبوظبي كمن أدخل “الثعلب إلى الحظيرة”، إذ يرتع الإسرائيليون في فنادقها، ومراكزها التجارية، وملاهيها الليلية، دون احترام للأعراف أو السيادة، متصرفين بمنطق الاحتلال لا الشراكة.

ويبدو أن تل أبيب نفسها بدأت تدرك حجم الإحراج، حيث أشارت تقارير إلى تحركات غير معلنة لسحب شيلي من منصبه، وسط قلق من أن تتحول الفضيحة إلى كرة ثلج تهدد بنسف ما تبقى من “صورة التحالف”.

لكن المفارقة أن الإمارات، التي تغاضت عن كل جرائم الاحتلال في غزة والضفة، وسكتت عن الاعتداءات على المسجد الأقصى، تجد نفسها اليوم في موقف المهانة بسبب سلوك سفير احتلالي لم يحترم حتى من تواطأ معه.

وفي غياب تعليق رسمي من أبوظبي حتى اللحظة، تشير مصادر مطلعة إلى أن القيادة الإماراتية في حرج شديد، تحاول احتواء الموقف دون المساس علنًا بالتطبيع، لكنها تعيش حالة من الغضب الصامت، قد تنعكس على العلاقات الدبلوماسية مستقبلًا، خاصة في ظل تزايد المعارضة الشعبية للتطبيع، ومطالبات داخلية بالتحقيق في سلوك البعثات الإسرائيلية.

“رسالة من تل أبيب.. أنتم مجرد أدوات”

فضيحة السفير شيلي تكشف مرة أخرى أن التطبيع مع الاحتلال لا يجلب احترامًا ولا يُنتج شراكة متكافئة، بل يُفضي إلى تكرار نماذج الإهانة والتفوق العنصري، حتى في قلب العواصم العربية المطبعة. وبينما تُهدر الملايين على مكاتب تنسيق وشراكات تجارية، تظل الكرامة الوطنية أولى الضحايا.

أما الإسرائيليون، فهم لا يرون في أبوظبي سوى ساحة مفتوحة لمصالحهم ونفوذهم، يتباهون فيها بمنصب سفيرهم في حانات وفنادق، فيما يتلقى أبناء غزة الموت جوعًا وقصفًا، بدعم سياسي ومالي من من طبّع وفتح الأبواب للاحتلال.

اقرأ أيضًا : اعتصام أمام السفارة المصرية في تونس رفضاً لغلق معبر رفح.. وناشطون يتوعدون بالتصعيد