في مشهد يعبّر عن اتساع رقعة الغضب العربي ضد تواطؤ الأنظمة في حصار غزة، دخل العشرات من النشطاء التونسيين، مساء السبت، في اعتصام مفتوح أمام السفارة المصرية في تونس العاصمة، احتجاجاً على تواصل إغلاق معبر رفح الحدودي في وجه المساعدات الإنسانية لسكان القطاع المحاصر. 

جاءت هذه الخطوة بعد سلسلة من التحركات الشعبية التي شهدتها البلاد للأسبوع الثاني على التوالي، وسط تصاعد في وتيرة الغضب الشعبي تجاه دور النظام المصري في تعميق مأساة غزة، إلى جانب اعتصام آخر مستمر منذ ثمانية أيام أمام السفارة الأمريكية، احتجاجاً على دعم واشنطن للإبادة الجماعية المتواصلة في القطاع.

الحراك لم يكن تقليدياً، بل اتّخذ طابعاً نضالياً يتقاطع مع التحركات العالمية التي دعت إلى محاصرة السفارات المصرية في الخارج، كرسالة واضحة بأن التواطؤ مع الاحتلال في إغلاق معبر رفح هو جريمة بحق الإنسانية، يدفع ثمنها اليوم أطفال غزة بالموت جوعاً أمام عدسات العالم الصامت.

 

اعتصام الغضب والقرع على الأواني

تجمّع المعتصمون بعد عصر السبت أمام محيط السفارة المصرية في العاصمة تونس، وهم يحملون أعلام فلسطين، ويرددون شعارات مناهضة للرئيس عبد الفتاح السيسي والنظام المصري، الذي يتهمونه بإغلاق المعبر في وجه القوافل الإنسانية المتجهة إلى غزة، رغم الكارثة الإنسانية المتصاعدة هناك. وقد منعت الحواجز الأمنية المشددة المحتجين من الاقتراب من مبنى السفارة، إلا أن رمزية الاعتصام كانت أقوى من كل الحواجز.

اللافت في الاحتجاجات كان “قرع الأواني الفارغة”، وهي حركة رمزية مستلهمة من مظاهرات الجوع في أميركا اللاتينية، عبّر من خلالها التونسيون عن تضامنهم مع أهالي غزة الذين يعانون من مجاعة حادة بفعل الحصار الإسرائيلي المصري المشترك، وسط مشاهد مروعة لأطفال لفظوا أنفاسهم الأخيرة بسبب نقص الغذاء والدواء.

وقال الناشط المدني نبيل الشنوفي، في تصريح صحفي من موقع الاعتصام:
“نحن هنا جزء من حراك عالمي لمحاصرة السفارات المصرية والضغط من أجل فتح معبر رفح. ما يجري في غزة لا يمكن السكوت عنه، والنظام المصري مسؤول منذ سنوات عن هذا الحصار، وليس فقط منذ حرب طوفان الأقصى”.

وأضاف: “اليوم لسنا في وقفة احتجاجية عابرة، بل في اعتصام مفتوح، وسنصعد من خطواتنا. التنسيقات قائمة مع نشطاء في مختلف الدول العربية والإسلامية، والرسالة واضحة: لا سكوت بعد اليوم عن خنق غزة، ومن لا يفتح المعبر طوعاً، سيجبر على فتحه شعبياً وإعلامياً”.

يأتي هذا الحراك بينما يتواصل اعتصام آخر على بعد أمتار، تقوده “تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين”، أمام السفارة الأمريكية، احتجاجاً على المجازر والمجاعة التي ترعاها واشنطن في غزة. وقد طالب المحتجون بطرد السفير الأمريكي وإغلاق السفارة، معتبرين أن الولايات المتحدة شريك أساسي في الجرائم الجارية بحق المدنيين.

من “حنظلة” إلى غزة.. العويني يسترجع ملحمة البحر ويؤكد: لن نتراجع

في خضم هذه الأجواء الثورية، تحدّث الناشط التونسي حاتم العويني، الذي كان من ضمن ركاب سفينة “حنظلة” التي انطلقت لكسر الحصار عن غزة عبر البحر الأبيض المتوسط، عن تجربته في مقاومة الاحتلال ومجابهة الحصار.

وقال العويني:
“ما تبقّى من حنظلة هو الصمود. واجهنا الاحتلال في البحر، راقبونا منذ لحظة انطلاقنا من إيطاليا، وحاولوا تخريب الباخرة. لاحقونا بطائرات دون طيار، ثم واجهونا عندما اقتربنا من المياه المصرية”.

وأضاف:
“عشنا لحظات مقاومة حقيقية، رفضنا الاستسلام، وأعلنا إضراباً عن الطعام، وقلنا للقاضي: نحن نحاكم الكيان الصهيوني، ولسنا متهمين. كانت لحظات عز وفخر”.

العويني أكد أن فلسطين لا تزال تسكن وجدان الشعوب من المحيط إلى الخليج، معلناً أنه سيكون جزءاً من “أسطول الصمود” القادم الذي يجري الإعداد له، قائلاً بحزم: “لن نتراجع، وسنواصل التحدي، لأن كسر الحصار واجب أخلاقي قبل أن يكون سياسياً”.

كارثة إنسانية متصاعدة.. ونظام السيسي في مرمى الغضب الشعبي

يأتي هذا الحراك الشعبي في تونس في سياق تصاعد الغضب الدولي من فشل الأنظمة العربية في كسر الحصار عن غزة، خاصة مع تأكيد المنظمات الدولية، ومنها منظمة “اليونيسف”، أن أطفال القطاع يموتون بمعدلات غير مسبوقة بسبب المجاعة، في ظل إغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الأساسية.

وبحسب آخر التقارير، فإن الحرب الإسرائيلية أدت حتى الآن إلى استشهاد أكثر من 38 ألف فلسطيني، وجرح أكثر من 170 ألفًا، فيما فُقد أكثر من 9 آلاف شخص، وسط تدمير كامل للبنية التحتية، وتهجير جماعي لما يزيد عن مليون ونصف مدني.

في ظل هذا المشهد، يبرز معبر رفح كأمل أخير لإنقاذ ما تبقّى من الحياة، ومع كل يوم يُغلق فيه المعبر، يفتح باباً جديداً للغضب الشعبي والاحتجاج. ويبدو أن النظام المصري بات في مرمى النار السياسية والحقوقية، إذ لم يعد ممكناً التستر خلف ذرائع أمنية أو سياسية، أمام مشهد إنساني يتدهور يوماً بعد آخر.

خاتمة: الغضب لا يهدأ.. ورسائل الشارع التونسي تتجاوز حدود السفارات

إن الاعتصام التونسي أمام السفارة المصرية ليس إلا تعبيراً عن وعي شعبي عابر للحدود، يدرك أن مأساة غزة لا يمكن فصلها عن التواطؤ الإقليمي والدولي، وأن الشعوب، مهما سُجنت إرادتها، قادرة على محاكمة الصامتين.

فبين صرخة الجوعى في غزة، وقرع الأواني في تونس، تتشكل خيوط مقاومة جديدة، عنوانها: لن نغفر لمن أغلق أبواب النجاة.

اقرأ أيضًا : أولمرت يفجر مفاجأة: حرب غزة “غير شرعية”.. ونتنياهو مجرم حرب يخفي صفقة تبادل شاملة!