تشهد شركة “أوبر” الأمريكية اليوم أزمة غير مسبوقة في سمعتها العالمية، بعد أن أعلنت استثمار عشرات ملايين الدولارات في شركة “فلايتريكس” الإسرائيلية المتخصصة في توصيل الطلبات عبر الطائرات المسيّرة.
الإعلان الذي جاء على هيئة خبر تقني عن “ابتكار في خدمات التوصيل” سرعان ما تحول إلى عاصفة غضب عالمي، إذ ربطه ناشطون ومنظمات حقوقية مباشرة بجرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية، معتبرين أن أي تعامل مع أوبر هو شكل من أشكال تمويل آلة القتل الإسرائيلية.

من ابتكار تقني إلى أزمة سياسية
عند لحظة الكشف عن الشراكة عبر صحيفة هآرتس العبرية، بدا وكأن أوبر تحتفل بخطوة “مستقبلية” لتعزيز خدمات “أوبر إيتس” عبر الطائرات المسيّرة. لكن، لم يمر وقت طويل حتى ارتفعت الأصوات المنددة:
- اعتبر ناشطون أن الطائرات المسيّرة ليست مجرد وسيلة لتوصيل الطعام، بل أداة استخدمتها إسرائيل في حربها على غزة.
- انتشر وسم #قاطعوا_أوبر بسرعة على تويتر وفيسبوك، ليتحوّل إلى حملة دولية تربط كل رحلة تنقل أو طلب طعام عبر أوبر بتمويل جرائم الاحتلال.
المفارقة أن هذه الخطوة جاءت في وقت حساس، حيث تعيش صورة إسرائيل الدولية أسوأ مراحلها نتيجة جرائم الحرب والعدوان المستمر، الأمر الذي جعل أوبر تظهر وكأنها توفر غطاءً اقتصادياً وتقنياً لهذه الجرائم.
تصاعد دعوات المقاطعة
لم يكن رد الفعل مقتصراً على جمهور المستهلكين، بل سرعان ما تحولت الدعوات إلى مقاطعة شاملة:
- الهيئة العالمية لأنصار النبي أصدرت بياناً قوياً وصف الشراكة بأنها “تمويل مباشر للاحتلال”، وأرفقت حملتها بملصقات عليها شعار: “كل مشوار عبر أوبر.. تمويل للاحتلال”.
- منصات واسعة مثل “فلسطين بوست” على فيسبوك، كررت التحذير من التعامل مع الشركة، معتبرة أن استمرار استخدامها يعني التطبيع مع العدو.
- حتى بعض سائقي أوبر أنفسهم أعلنوا على العلن حذف التطبيق والتوقف عن العمل، رغم أن الشركة تمثل مصدر دخلهم الأساسي، وذلك تعبيراً عن رفضهم “التواطؤ مع الاحتلال”.
هذه التطورات أعادت للأذهان مقاطعة شركات مثل كارفور، كنتاكي، بيتزا هت، التي تعرضت لضغوط جماهيرية مشابهة بسبب ارتباطها بالكيان الإسرائيلي.
فلايتريكس.. الوجه الخفي للطائرات المسيّرة
تأسست شركة “فلايتريكس” في تل أبيب عام 2013، ثم انطلقت عالمياً عام 2017، لتصبح لاعباً رئيسياً في سوق الطائرات المسيّرة التجارية.
-
تدير أكثر من 15 ألف طائرة مسيّرة في 90 دولة.
-
تعتمد على تقنيات متقدمة لتجاوز العوائق الجغرافية والمباني في عمليات التوصيل.
-
تتباهى بقدرتها على “إحداث ثورة في خدمات النقل الجوي المدني”.
لكن في السياق السياسي، ينظر إليها كجزء من منظومة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، حيث أن الطائرات المسيّرة التي تقتل المدنيين في غزة والضفة هي الوجه الآخر للتقنية نفسها التي تسعى أوبر لاستغلالها تجارياً. هنا يتجلى الخيط الرفيع بين “التكنولوجيا المدنية” و”الاستخدام العسكري”، وهو ما يضع أوبر في موضع اتهام مباشر بالتواطؤ مع الاحتلال.
الانعكاسات العالمية على صورة أوبر
خطوة الاستثمار هذه كشفت عن قصور استراتيجي في إدراك الشركة للسياق السياسي:
- اقتصادياً: تواجه أوبر احتمال خسارة شرائح كبيرة من المستخدمين في العالمين العربي والإسلامي، وربما في دول غربية تشهد تصاعد حركات التضامن مع فلسطين.
- حقوقياً: قد تجد نفسها هدفاً لحملات ضغط دولية تقودها منظمات حقوق الإنسان، تماماً كما حدث مع شركات ارتبطت بمشاريع استيطانية.
- سمعة العلامة التجارية: “أوبر” التي بنت صورتها على أنها شركة عابرة للحدود والثقافات، قد تتحول إلى رمز للتطبيع والتواطؤ.
الأخطر من ذلك أن دخول أوبر على خط الطائرات المسيّرة يجعلها شريكاً في صناعة مرتبطة بشكل وثيق بالآلة العسكرية الإسرائيلية، حتى لو حاولت التغطية على ذلك بواجهة “الخدمات المدنية”.
من التوصيل إلى التواطؤ
إذا كان الاستثمار في فلايتريكس يهدف لتسريع خدمات “أوبر إيتس”، فإن النتيجة الحقيقية كانت إبطاء مسيرة أوبر نحو التوسع العالمي، بعدما علّق ملايين المستخدمين تساؤلات حول علاقتها بالاحتلال:
- هل تستطيع أوبر أن تدّعي الحياد التقني بينما تستثمر في شركة إسرائيلية في وقت ترتكب فيه مجازر ضد الفلسطينيين.
- هل تعي الشركة أن كل طائرة مسيّرة تجارية هي في النهاية امتداد لسلاح عسكري مجرّب على أجساد الأبرياء في غزة؟
بهذا، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بصفقة تجارية، بل تكشف عن تواطؤ بنيوي بين الشركات العابرة للقارات ومنظومة الاحتلال، حيث تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لإدامة السيطرة والقمع، لا مجرد خدمة لتوصيل الطعام.
خاتمة.. الحساب القادم
تاريخ أوبر مع الأزمات ليس جديداً، لكن الأزمة الحالية تختلف لأنها تتجاوز حدود “شكاوى العمال” أو “أسعار التوصيل” لتصل إلى اتهام مباشر بدعم الاحتلال. في زمن تتسع فيه حملات المقاطعة العالمية، يصبح من الصعب على أوبر أن توازن بين مصالحها التجارية في “إسرائيل” وغضب الرأي العام العالمي.
لقد أشعلت هذه الشراكة نقطة تحول تاريخية في العلاقة بين التكنولوجيا والاحتلال، ووضعت أوبر أمام سؤال وجودي: هل تبقى شركة لخدمات النقل، أم تتحول إلى ذراع تجارية متواطئة مع جرائم الحرب؟
خلاصة الموقف:
خطوة أوبر بالاستثمار في فلايتريكس لم تُقرأ كتطوير تقني بل كتواطؤ سياسي. اليوم، تتحول الطائرات المسيّرة من أداة مستقبلية لتوصيل الطعام إلى رمز للاحتلال والقتل، وتبقى أوبر أمام خيارين: إما مراجعة استراتيجيتها سريعاً أو مواجهة عقوبة جماهيرية قد تعصف بسمعتها العالمية.
اقرأ أيضًا : قطر تهاجم نتنياهو: إسرائيل “دولة مارقة” تهدد النظام الدولي