بقلم / محمود العضايلة
في شهادة صادمة، أكد عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن أعداد الوفيات في قطاع غزة بسبب الجوع والأمراض أعلى بكثير مما تعلنه وزارة الصحة، مشيرًا إلى أن هناك حالات وفاة تُدفن بصمت حول الخيام وداخل مراكز الإيواء، من دون أن يتم الإبلاغ عنها. هذا التصريح الخطير يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر، حيث تحوّلت المجاعة إلى سلاح قتل جماعي يوازي في فتكه القصف الإسرائيلي اليومي.
أبو حسنة حذّر من أن الأرقام الرسمية تعكس فقط من يصلون إلى المستشفيات والعيادات، بينما يموت آخرون بصمت بعيدًا عن أعين الإعلام والإحصاءات. وأضاف أن الأمراض التي تنتشر في غزة “عابرة للحدود”، ما يعني أنها قد تمتد حتى إلى الداخل الإسرائيلي، في إشارة إلى خطورة الكارثة ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على المنطقة بأسرها.

انهيار كامل للمنظومة الصحية والإنسانية
وفق تصريحات أبو حسنة، فإن أجسام الفلسطينيين لم تعد تقاوم أبسط الأمراض، إذ يعانون من انهيار شبه كامل في المناعة الذاتية نتيجة سوء التغذية وانعدام الدواء. ولفت إلى أن فيروسات خطيرة كالتهاب السحايا –الذي كان قد اختفى قبل الحرب– عادت لتفتك بالمدنيين، إضافة إلى انتشار الكبد الوبائي، وسط فشل كل محاولات المواجهة بسبب الحصار المشدد.
وزارة الصحة في غزة بدورها أعلنت أن 70 فلسطينيًا، بينهم 17 طفلًا، استشهدوا في محافظة غزة منذ إعلان المجاعة رسميًا، فيما توفي 185 فلسطينيًا بسبب سوء التغذية في شهر أغسطس/آب وحده. وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 43 ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، إلى جانب 55 ألف امرأة حامل ومرضع في أوضاع صحية كارثية.
هذا الانهيار الصحي يتزامن مع دمار البنى التحتية جراء العدوان الإسرائيلي، حيث يعيش مئات الآلاف في الخيام بلا أي مرافق صحية، ما يجعل انتشار الأمراض مسألة وقت ليس أكثر. أبو حسنة أوضح أن الأوضاع الحالية تمثل “انهيارًا تراكميًا للمنظومة الحيوية في أجسام سكان غزة”، ما يفسر الارتفاع الحاد في أعداد الوفيات خلال الساعات الـ48 الماضية فقط.
جريمة مزدوجة.. الاحتلال والحصار المصري
لا يمكن فصل هذا المشهد المأساوي عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تحوّل الغذاء والدواء إلى أدوات حرب. فمنذ بداية العدوان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، منعت إسرائيل إدخال الأدوية والأغذية العلاجية والمكملات وحتى تطعيمات الأطفال. هذه السياسة الممنهجة تهدف إلى ترك الفلسطينيين يموتون جوعًا ومرضًا، في جريمة إبادة جماعية صريحة.
لكن ما يزيد الجرح نزفًا هو التواطؤ الإقليمي، إذ يشارك النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي في الحصار عبر التحكم في معبر رفح، وفرض قيود مشددة على مرور شحنات الإغاثة. تقارير عدة أكدت أن شاحنات المساعدات تُكدّس عند الحدود لأيام، بينما يموت الغزيون في الداخل جوعًا. هذا التواطؤ يضع القاهرة في خانة الشريك الفعلي في جريمة الحرب التي تُرتكب بحق مليونَي إنسان في غزة.
ويكشف أبو حسنة أن ما يسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، التي تشرف على إدخال المساعدات، متورطة في عمليات نهب وسرقة، الأمر الذي يقلل أكثر من وصول الغذاء والدواء إلى مستحقيه. ومع تفاقم الأوضاع، تحوّل الفلسطينيون في القطاع إلى ضحايا لمعادلة جوع ممنهج ومرض قاتل.
أمراض وجوع واضطرابات نفسية
لا تتوقف المأساة عند حدود الجوع والأمراض الجسدية، بل تمتد إلى الجانب النفسي. فقد أكد أبو حسنة أن مئات الآلاف من الفلسطينيين أصيبوا باضطرابات نفسية وعقلية بسبب مشاهد القصف والمجاعة وفقدان الأحبة. هذه الاضطرابات تسهم بدورها في انهيار أجهزة الجسم الحيوية، لتتحول الصحة الجسدية والنفسية إلى جبهتين منهارتين معًا.
هذا الواقع يجعل من كل طفل وامرأة ورجل في غزة ضحية متكاملة الإبادة، ليس فقط عبر الصواريخ، وإنما أيضًا عبر التجويع، المرض، والإرهاب النفسي اليومي. إنها سياسة إبادة بطيئة توازي المجازر العلنية في وحشيتها، وتؤكد أن الاحتلال يشن حربًا شاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني في كل تفاصيل حياته.
مجاعة تتسع والكارثة تقترب من الانفجار
في تقرير صدر في 22 أغسطس/آب، أكد “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” أن المجاعة تفشت بالفعل في محافظة غزة، وتوقع أن تمتد إلى دير البلح وخان يونس مع نهاية الشهر الجاري. هذه التوقعات تعني أن قطاع غزة بأسره يتجه نحو انهيار شامل، حيث يصبح الجوع القاتل هو السمة العامة للحياة اليومية.
وفي ظل هذا المشهد، تواصل إسرائيل قصفها لمدينة غزة، مدمرة ما تبقى من البنية التحتية الصحية والإنسانية، فيما يُترك السكان لمصير مظلم. ويزداد الوضع سوءًا مع استمرار الولايات المتحدة والدول الغربية في دعم الاحتلال سياسيًا وعسكريًا، في حين يقف النظام المصري شريكًا في الحصار، متواطئًا بصمته وإجراءاته.
خاتمة.. جريمة إبادة تحت سمع وبصر العالم
تكشف شهادة مسؤول أونروا عن حقائق لا يمكن إنكارها: غزة تموت ببطء، ضحية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه. الأرقام المعلنة لا تعكس إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة، فيما تدفن الجثث بصمت داخل المخيمات والخيام.
إنها جريمة إبادة مكتملة الأركان: قتل مباشر بالقصف، وتجويع ممنهج، وحرمان من الدواء، وحصار إقليمي تشارك فيه القاهرة. ورغم كل ذلك، يقف العالم متفرجًا، مكتفيًا ببيانات إدانة شكلية، بينما يُترك أكثر من مليونَي إنسان في غزة يواجهون مصيرًا يشبه الموت البطيء.
اقرأ أيضًا : استطلاع هارفارد: جيل أميركي جديد يفضّل حماس على إسرائيل