بقلم محمود الدمنهوري

في تطور غير مسبوق داخل الولايات المتحدة، كشف استطلاع للرأي أجرته جامعة هارفارد بالتعاون مع مؤسسة هاريس، أن نحو 60% من الشباب الأميركيين المنتمين إلى جيل “زد” (المولودين بين منتصف التسعينيات وبداية الألفية) يفضلون حركة المقاومة الإسلامية حماس على إسرائيل في حربها المستمرة ضد قطاع غزة. 

وقد نشرت صحيفة نيويورك بوست نتائج الاستطلاع واعتبرتها “مقلقة” لصنّاع القرار والداعمين التقليديين لتل أبيب، إذ تمثل هذه النتائج مؤشراً على تحوّل ثقافي وسياسي عميق داخل شريحة عمرية تعد الأكثر تنوعاً عرقياً وفكرياً في الولايات المتحدة.

تحولات جيلية في الرأي العام الأميركي

يبرز هذا الاستطلاع تحولاً استراتيجياً في المزاج العام الأميركي، خاصة بين الشباب الذين باتوا أكثر جرأة في انتقاد السياسات الإسرائيلية. فجيل “زد” يتميز بارتباطه الوثيق بوسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعته المباشرة للصور والفيديوهات القادمة من غزة، وهو ما يجعله أقل تأثراً بالرواية الإعلامية التقليدية التي لطالما هيمنت عليها اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.

وعلى عكس الأجيال السابقة التي اعتبرت إسرائيل “حليفاً لا غنى عنه”، يظهر هذا الجيل انفتاحاً أكبر على الرواية الفلسطينية، ورفضاً واضحاً للانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال ضد المدنيين. هذه التحولات دفعت محللين أميركيين إلى القول إن الدعم الشعبي لإسرائيل لم يعد ثابتاً، بل بات مرهوناً بقدرة الفلسطينيين على إيصال صوتهم وصور معاناتهم إلى العالم.

تراجع النفوذ الإسرائيلي في واشنطن

صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية نشرت مقالاً للكاتب بن درور يميني أقرّ فيه بخطورة هذا التغير في المزاج الأميركي، محذراً من “تدهور غير مسبوق” في صورة إسرائيل. وأشار إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة عكست تراجعاً حاداً في التأييد الشعبي لإسرائيل، واصفاً إياه بأنه “الأسوأ منذ عقود”.

ويرى يميني أن مؤتمر الحزب الديمقراطي الأخير شكّل محطة فارقة؛ فالتراجع عن مشروع قرار يؤيد حل الدولتين لم يكن نتيجة عداء للفلسطينيين، بل العكس، فقد اعتُبر في بعض الأوساط مكافأة لحركة حماس وصعود التيار التقدمي داخل الحزب، الذي يقوده شباب يرفضون أي تسوية لا تعترف بالحقوق الفلسطينية. هذا التوجه يضع ضغوطاً هائلة على إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تواصل تقديم دعم غير مشروط لتل أبيب، رغم تصاعد الأصوات المعارضة داخل الجامعات ووسائل الإعلام المستقلة.

الحراك الشعبي والطلابي داخل أميركا

منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت الولايات المتحدة موجة احتجاجات غير مسبوقة. فقد خرجت تظاهرات في كبرى المدن مثل نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس، بينما تحولت الجامعات الأميركية إلى ساحات نقاش ورفض للسياسات الإسرائيلية.

طلاب جامعات مثل هارفارد وكولومبيا وبرنستون رفعوا شعارات تطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل ووقف المجازر في غزة. بعض هذه الجامعات شهدت اعتصامات ومقاطعات أكاديمية طالت مؤسسات إسرائيلية، ما يعكس تحوّلاً عميقاً في وعي شريحة الشباب الأميركي. ويؤكد مراقبون أن هذه الموجة تمثل بداية مسار طويل قد يغير طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال العقود المقبلة.

الإبادة في غزة وانكشاف الرواية الإسرائيلية

تواصل إسرائيل حربها على قطاع غزة بدعم أميركي مطلق، متجاهلة القرارات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العمليات العسكرية. ووفقاً للإحصاءات، فقد أسفرت الحرب عن سقوط أكثر من 222 ألف شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب وجود 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين. كما أودت المجاعة الناجمة عن الحصار بحياة 332 شخصاً، بينهم 124 طفلاً.

هذه الأرقام الصادمة جعلت الرواية الفلسطينية أكثر حضوراً في الإعلام العالمي، بينما خفتت الرواية الإسرائيلية التي كانت تبرر الحرب تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”. فصور المجازر، كقصف المستشفيات ومخيمات النازحين، فضحت خطاب تل أبيب وأظهرت حربها باعتبارها حرب إبادة جماعية ممنهجة، ما عزز قناعة الرأي العام الأميركي والدولي بعدم شرعية العدوان.

نجاح الرواية الفلسطينية مقابل خفوت الإسرائيلية

يرى خبراء أن نجاح الرواية الفلسطينية يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. التوثيق البصري المباشر: حيث تنقل الهواتف الذكية ومقاطع الفيديو اليومية حقيقة الجرائم الإسرائيلية دون الحاجة إلى وسيط إعلامي منحاز.

  2. تراجع تأثير اللوبيات التقليدية: إذ لم تعد المؤسسات المؤيدة لإسرائيل قادرة على احتكار السردية في الفضاء العام الأميركي.

  3. الوعي الحقوقي المتنامي: حيث أصبح جيل “زد” أكثر انخراطاً في قضايا العدالة وحقوق الإنسان، ما يجعله يربط بين نضال الفلسطينيين وقضايا محلية مثل العنصرية والتمييز.

في المقابل، تعاني الرواية الإسرائيلية من التناقضات الداخلية، فبينما تحاول الحكومة تبرير الحرب بأنها ضد “الإرهاب”، تكشف الحقائق الميدانية أن الاستهداف يطال المدنيين بالدرجة الأولى. هذا التناقض جعل إسرائيل تخسر تعاطف شرائح واسعة في الغرب، خاصة بين الشباب.

خاتمة: تحوّل استراتيجي في الرأي العام

يمثل استطلاع هارفارد الأخير مؤشراً خطيراً لإسرائيل وحلفائها في واشنطن، إذ يعكس بداية انهيار الصورة النمطية التي رسختها لعقود باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. ومع تصاعد الوعي العالمي بما يحدث في غزة، يبدو أن جيل الشباب الأميركي يفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقة مع القضية الفلسطينية، عنوانها الوضوح الأخلاقي والانحياز إلى العدالة.

إن خفوت الرواية الإسرائيلية أمام نجاح الرواية الفلسطينية ليس حدثاً عابراً، بل تحوّل استراتيجي قد يعيد صياغة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة، ويجعل مستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل على المحك أكثر من أي وقت مضى.

اقرأ أيضًأ : الكونغرس يحقق مع صهر ترامب بشأن صفقة مالية مشبوهة مع رجل أعمال سعودي في ظل فساد بن سلمان