في مشهد يختزل فصول النكبة المستمرة، أقدم مستوطنون إسرائيليون، اليوم الأحد، على إحراق منازل ومركبات فلسطينية في وادي سعير شمال شرق الخليل، تزامناً مع عمليات عسكرية وقرارات بمصادرة آلاف الدونمات في محافظات الضفة الغربية. في المقابل، تغيب السلطة الفلسطينية تماماً، ويصمت العالم أمام سلسلة جرائم ترقى إلى التطهير العرقي المنظم.

ألسنة النار تمتد من غزة إلى الخليل.. إرهاب المستوطنين بتواطؤ الجيش

لم تكن مجازر الاحتلال في قطاع غزة سوى الوجه الأكثر دموية لسياسة إسرائيلية شاملة ضد الوجود الفلسطيني برمته. ففي الوقت الذي تتواصل فيه حرب الإبادة في غزة، يصعّد المستوطنون وجيش الاحتلال من اعتداءاتهم في الضفة الغربية، وبشكل خاص في محافظة الخليل، التي باتت هدفًا لتوسيع المشروع الاستيطاني بالقوة والعنف.

صباح اليوم، أقدم مستوطنو مستوطنة “أصفر” على إضرام النار في منازل المواطنين الفلسطينيين في منطقة وادي سعير شمال شرق الخليل، وأحرقوا مركبة تعود لأحد سكان المنطقة. هذا الاعتداء ليس الأول، بل يأتي ضمن سلسلة هجمات متكررة خلال الأسبوع الأخير، وسط تجاهل كامل من سلطات الاحتلال وتواطؤ واضح من جيشه الذي لم يتدخل لوقف الهجمات، بل يوفر الحماية للمستوطنين.

ووفق رئيس بلدية سعير موسى الفروخ، فإن هذه الهجمات تأتي ضمن خطة تهدف لفرض التهجير القسري على سكان المنطقة، مضيفًا أن اثنين من السكان أصيبا بجروح نتيجة اعتداءات المستوطنين، وتم علاجهما ميدانيًا. الملاحظ أن هجمات المستوطنين لم تعد تصنّف كأحداث “فردية” أو “عشوائية”، بل باتت جزءًا من منظومة مدروسة لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق.

مصادرة جماعية للأراضي: جريمة استيطانية لا تقل خطورة عن العدوان

وفي موازاة هذه الاعتداءات، سلّمت قوات الاحتلال قرارات مصادرة مئات الدونمات من أراضي بلدتي حوسان ونحالين غرب بيت لحم، لتوسيع مستوطنة “بيتر عيليت”، وهي إحدى أكبر المستوطنات غير الشرعية المقامة على أراضي الضفة الغربية.

كما شملت المصادرات آلاف الدونمات من أراضي بلدتي سعير والشيوخ شمال شرقي الخليل. وتُظهر الخرائط التي وُزّعت على السكان مصادرة ما يقرب من 3000 دونم بهدف شق طريق استيطاني يربط بين مستوطنتي “أصفر” و”بني كيدم”، وهو مشروع استيطاني يحكم الطوق على المنطقة ويُحرم الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.

هذه القرارات، التي تأتي دون أي وجه قانوني أو حق مشروع، تؤكد أن الاستيطان ليس مجرد توسع عمراني، بل هو سلاح يستخدمه الاحتلال لطرد الفلسطينيين، ومحو وجودهم الجغرافي والاجتماعي. ومع استمرار هذه السياسات، تبدو الضفة الغربية وكأنها تدخل مرحلة جديدة من التهويد المتسارع الذي يهدد مستقبل أي حل سياسي.

اعتقالات ميدانية وتعذيب ممنهج: قمع متواصل دون رادع

وفي مشهد يومي مكرر، شنّ جيش الاحتلال فجر اليوم حملة اعتقالات في عدة مناطق من الضفة الغربية، طالت 3 شبان من قرية مردا في سلفيت، وشابًا من العبيدية شرق بيت لحم، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين من مدينة نابلس بينهم أب ونجله.

وتزامنًا مع هذه الاعتقالات، أصيب خمسة فلسطينيين، أربعة منهم جراء الاختناق بالغاز المسيل للدموع في مدينة طوباس، وخامس نتيجة تعرضه للضرب المبرح في بلدة فحمة قضاء جنين، وفق ما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

ويؤكد تصاعد الاعتقالات والانتهاكات أن الاحتلال لا يكتفي بالعدوان على قطاع غزة، بل يسعى إلى إبقاء الضفة الغربية في حالة حصار أمني دائم، من خلال ملاحقة النشطاء والشبان، وقمع أي تحرك شعبي أو حتى مقاومة سلمية.

وفق إحصائيات فلسطينية، فإن الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة – بما فيها القدس – منذ بدء الحرب على غزة أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 998 فلسطينيًا، وإصابة نحو 7000 آخرين، واعتقال أكثر من 18 ألفًا، في أرقام تصدم الضمير الإنساني وتفضح فشل المجتمع الدولي.

غياب السلطة وصمت دولي.. من يوفر الحماية للفلسطينيين؟

في ظل كل هذه الجرائم، تلوذ السلطة الفلسطينية بالصمت أو الاكتفاء بإصدار بيانات إدانة لا تُغني ولا تُسمن من جوع. لا توجد خطط حقيقية لمواجهة تغوّل المستوطنين، ولا تحرك فاعل دوليًا لوقف جرائم الاحتلال، ما يفتح الباب لتساؤلات ملحّة حول دور السلطة في حماية شعبها، وجدوى استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال.

أما على المستوى الدولي، فتتحدث الدول الغربية كثيرًا عن “حل الدولتين” و”التهدئة”، لكنها تصمت أمام جرائم موثّقة ضد المدنيين الفلسطينيين. لا تحرك في مجلس الأمن، ولا عقوبات، ولا تحقيقات دولية جادة في سياسات التهجير والاستيطان والقتل خارج نطاق القانون.

خاتمة تحليلية: فلسطين تحت النار والمجتمع الدولي في غيبوبة

تؤكد الوقائع الميدانية أن المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية لم يعد مجرد احتلال، بل هو منظومة تطهير عرقي متكاملة، تستخدم فيها كل الأدوات: من الاستيطان إلى الحرق والقتل، ومن المصادرة إلى الاعتقال. أما السلطة الفلسطينية، فقد تآكل حضورها إلى حد العجز، بينما يكتفي العالم ببيانات القلق.

ما يحدث في الضفة، خصوصًا في الخليل وبيت لحم، ليس مجرد “توتر ميداني”، بل تطهير صامت يوازي في فظاعته العدوان المفتوح على غزة. والنتيجة: شعب أعزل يُواجه استعمارًا إحلاليًا بمفرده، وسلطة غائبة، ومجتمع دولي أصمّ وأبكم. فإلى متى؟

اقرأ أيضًا : المدينة الإنسانية.. قناع جديد لمحرقة غزة؟