بينما يتهم العاهل الأردني “حماس” ويبرير حماية الاحتلال، يُعلن أحد أعتى رموز الصهيونية الاستيطانية في حكومة نتنياهو، الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، عن إنشاء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، تمهيداً للخطوة التالية التي وصفها صراحة بـ”فرض السيادة” الإسرائيلية الكاملة على الضفة، في إعلان صارخ عن ضمها الرسمي.
ورغم خطورة التصعيد، خيّم الصمت المريب على العواصم العربية، في وقت يواصل فيه الاحتلال مشروعه الاستعماري بدماء الفلسطينيين.

تصعيد استيطاني ممنهج ومسار ضم واضح
في مشهد يعكس الطموحات التوسعية لحكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عبر منصة “إكس”، قراراً وصفه بـ”التاريخي”، يتمثل في إقامة 22 مستوطنة جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، تحت مسمى “يهودا والسامرة”.
وأوضح أن الخطة تشمل “تكثيف الاستيطان في شمال السامرة، وتعزيز المحور الشرقي لدولة إسرائيل”، في إشارة إلى المناطق الواقعة شرق الضفة على امتداد الأغوار، وهي من بين أكثر المناطق عرضة للتهويد.
سموتريتش الذي لطالما عبّر عن رؤيته الفاشية بإزالة الوجود الفلسطيني، قال حرفيًا: “لم نأخذ أرضًا غريبة، بل ميراث أجدادنا”.
وهي عبارة تكشف المنطق التوراتي الذي يحكم ذهنية اليمين الإسرائيلي، الذي يرى في الضفة الغربية أرضًا توراتية يجب ضمها واستيطانها بشكل كامل.
الأهم أن سموتريتش لم يُخفِ نواياه السياسية، فقد ختم إعلانه بالقول: “الخطوة التالية – السيادة”، أي فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية بالكامل، ما يعني ضمها رسمياً إلى إسرائيل ودفن حل الدولتين نهائيًا.
يأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه الهجمات اليومية ضد الفلسطينيين، سواء من قبل جيش الاحتلال أو المستوطنين المدعومين عسكريًا، وهو ما جعل الضفة الغربية تتحول إلى ساحة حرب يومية، أودت بحياة ما لا يقل عن 972 فلسطينيًا منذ 7 أكتوبر 2023، واعتقال أكثر من 17 ألفًا، معظمهم بدون محاكمة، وفقًا للبيانات الفلسطينية.
جرائم الضفة تُكمل محرقة غزة.. والمجتمع الدولي يتجاهل
لا يمكن فصل إعلان سموتريتش عن مجزرة غزة المستمرة منذ 7 أكتوبر، والتي تجاوز فيها عدد الشهداء الفلسطينيين في القطاع أكثر من 36 ألف شهيد، فيما يتعرض الضفة الغربية بالتوازي لعملية اجتثاث صامتة.
فالاحتلال يعمل على فرض واقع جديد بالقوة: تدمير المنازل، تهجير العائلات، السيطرة على الأراضي، وبناء مستوطنات بشكل متسارع في ظل غطاء سياسي أميركي وتواطؤ دولي.
هذه السياسات الاستعمارية تنسف بشكل ممنهج كل ما تبقى من اتفاقيات أوسلو أو حل الدولتين، وتُخرج إسرائيل رسميًا من أي إطار “سلامي”، لتتحول إلى نظام فصل عنصري واستيطان عسكري واضح المعالم.
مع ذلك، فإن الموقف الأميركي لا يزال على حاله: دعم غير مشروط لإسرائيل، ورفض للاعتراف بفلسطين كدولة، بل والتصدي قانونيًا لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي يهدد حماس يوميًا بالعقوبات، فلا يزال صامتًا أمام أكبر عملية استيطان في القرن، رغم أن الاستيطان وفق القانون الدولي يُعد جريمة حرب.
ولا تزال فرنسا وألمانيا وبريطانيا تشجب جرائم “حماس”، بينما تتجاهل جرائم المستوطنين التي تُنفذ بشكل منهجي على مرأى ومسمع من العالم.
سموتريتش يرفض “صفقة جزئية” ويضغط لمحرقة شاملة
بالتوازي مع توسعه الاستيطاني في الضفة، شن سموتريتش هجومًا عنيفًا على أي محاولة لتمرير صفقة جزئية للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في غزة، معتبرًا أن أي تخفيف للضغط على حماس سيكون “جنونًا محضًا”.
بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين أعلن صراحة أنه لن يسمح بتمرير أي اتفاق “لا يرقى إلى صفقة استسلام كاملة”، على حد وصفه.
وهذه التصريحات تُظهر طبيعة العقلية الإجرامية التي تحكم الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي لا ترى في الحرب سوى وسيلة لتصفية الفلسطينيين سياسيًا وديموغرافيًا. وهي تصريحات تضع إسرائيل بشكل قاطع في خانة من يرفض أي مخرج سياسي، ويفضل الإبادة أو الاستسلام المطلق.
لكن الأخطر من ذلك، هو ربط سموتريتش بين “الضغط الميداني” وبين الاستيطان، في تلميح واضح بأن ما يُرتكب في غزة هو جزء من خطة أشمل لفرض واقع استيطاني وسيادي جديد في الضفة.
والسكوت العربي الرسمي – وخاصة الأردني والفلسطيني – أمام هذا التحول الخطير، لا يفسّر إلا كعجز أو تواطؤ.
الضم قادم.. فأين الرد العربي؟
في ظل هذا التصعيد، بات واضحًا أن الحكومة الإسرائيلية لا تسعى إلى تهدئة أو “حل” سياسي، بل إلى فرض مشروعها الصهيوني كاملاً، عبر الإبادة في غزة، والضم في الضفة.
ومع إعلان 22 مستوطنة جديدة، فإن الاحتلال يخطو خطوة إضافية نحو “أسرلة” الضفة وتغيير معالمها بالكامل، ما سيُبقي الفلسطينيين في معازل جغرافية محاصرة.
والسؤال الذي لا يزال يطرق أبواب العواصم العربية: إذا لم يكن الإعلان عن ضم 22 مستوطنة جديدة كافيًا لتحريك الموقف العربي، فمتى سيتحرك؟ وهل بات الدفاع عن القضية الفلسطينية مرهونًا فقط بالشعوب؟ أم أن هناك من ارتضى بالفعل بخيانة “إرث الأجداد”، وتركه يُنهب على يد المستوطنين؟
اقرأ أيضًا : الالاحتلال يستهدف المنظومة الطبية في غزة.. 10 مستشفيات وعيادات تتعرض لهجمات خلال أسبوع