بينما تئن غزة تحت القصف والدمار، تفتح إسرائيل جبهة جديدة تستهدف ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع، وهذه المرة عبر ضرب المنظومة الطبية بشكل مباشر.
فقد وثقت تقارير موثوقة، من بينها تحقيق لصحيفة “هآرتس” العبرية ومنظمة الصحة العالمية، استهداف 10 مستشفيات وعيادات في غزة خلال أسبوع واحد، ضمن سلسلة هجمات ممنهجة باتت تمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.
والمقلق في هذا التصعيد، أنه يجري وسط صمتٍ مطبق من أنظمة عربية، بعضها متواطئ بالصمت، وآخر بالموقف، فيما تواصل إسرائيل استهداف الحياة في القطاع دون رادع.

“عربات جدعون”.. غطاء رسمي لهدم النظام الصحي
جاء استهداف المنظومة الطبية كجزء من عملية عسكرية توسعية أطلقتها إسرائيل تحت اسم “عربات جدعون”، والتي أقرّها المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بعد مهاجمة المستشفى الأوروبي في خانيونس، جنوبي قطاع غزة. هذا الهجوم شكّل نقطة الانطلاق لحملة موسعة شملت 10 منشآت طبية على الأقل خلال الأسبوع الماضي فقط، وفقًا لما أكدته صحيفة “هآرتس”.
النتيجة كانت تدميرًا كليًا أو جزئيًا لتلك المنشآت، ما تسبب في إخراجها من الخدمة، وتفاقم الأزمة الصحية في القطاع، لاسيما وأن عدد المستشفيات القادرة على العمل انخفض إلى 19 فقط من أصل 36، وبشكل جزئي فقط. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 94% من مستشفيات غزة تعرضت لأضرار أو دُمرت بالكامل، في إحصائية مخيفة تعكس حجم الجريمة التي تُرتكب بحق المدنيين دون مساءلة.
ورغم المحاولات الإعلامية المتكررة لتبرير هذه الجرائم عبر مزاعم “تحصن مقاتلي حماس في المستشفيات”، إلا أن القانون الدولي الإنساني واضح في تحريمه استهداف المنشآت الصحية، حتى في حال الاشتباه باستخدامها لأغراض عسكرية، إلا بوجود أدلة دامغة وتحقيقات شفافة – وهو ما لم يحدث.
انهيار المنظومة الصحية.. و400 ألف بلا خدمات
وزيرة الصحة في غزة أكدت أن أكثر من 400 ألف فلسطيني باتوا بدون أي خدمات طبية متاحة، في ظل انهيار المنظومة الصحية المحاصرة منذ سنوات.
وتحدثت تقارير متقاطعة عن منع وصول الوقود والمستلزمات الطبية، وعرقلة الإجلاء الطبي، وفرض طوق على المستشفيات التي ما زالت تقاوم الانهيار، وسط انقطاع الكهرباء، وندرة الأدوية، وتعطيل الأجهزة الطبية.
الجمعة الماضية، نشرت منظمة الصحة العالمية بيانًا على منصتها الرسمية تؤكد فيه أن “الهجمات العسكرية المكثفة في غزة تدفع النظام الصحي نحو الانهيار”، محذرة من كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وقالت إن 4 مستشفيات رئيسية في غزة أُجبرت على الإغلاق خلال أسبوع فقط، بسبب القصف وأوامر الإخلاء المباشرة من قوات الاحتلال.
والمؤلم أن هذه الاستهدافات ليست مجرد أرقام، بل تعني بشكل مباشر فقدان الرعاية الصحية لمئات الآلاف من الجرحى والمرضى، والأطفال الرضع في الحضانات، ومرضى السرطان والكلى، بل والنساء الحوامل، الذين لم يعد لهم مكان في منظومة أصبحت عاجزة عن أداء الحد الأدنى من دورها.
تواطؤ عربي وصمت دولي.. ومن يدافع عن غزة؟
ما يزيد الجريمة فداحة، هو الصمت المطبق والتواطؤ الصارخ من عدد من الحكام العرب الذين فضّلوا الاصطفاف خلف الرواية الإسرائيلية بدلاً من الدفاع عن أرواح الأبرياء.
فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أغلق معبر رفح طيلة أسابيع، ومنع دخول المساعدات، قبل أن يفتحه ضمن صفقات مشبوهة مع واشنطن وتل أبيب.
أما محمود عباس، فقد التزم الصمت، ولم يصدر عنه أي موقف سياسي أو تحرك دبلوماسي تجاه ما يحدث في غزة، وكأن أهل القطاع ليسوا جزءًا من شعبه، بل خصوم له.
والأدهى من ذلك، ما كشفته تسريبات عن دعمٍ خفيّ من بعض الأنظمة لتصفية المقاومة، ومن بينها النظام الأردني، الذي باتت مواقفه أقرب إلى التماهي مع السياسة الأمريكية-الإسرائيلية، رغم خطاباته التي لا تتجاوز حدود الدعاية الإعلامية.
إن استهداف المستشفيات هو استهداف للحياة، واستهداف لمن تبقى من مقومات الصمود في غزة، ويجري هذا في ظل صمت عربي ودولي، بل وتواطؤ مفضوح في بعض الأحيان. وقد أصبح واضحًا أن الاحتلال لا يخشى من ارتكاب جرائمه لأنه يدرك تمامًا أن هناك من سيغطيها، أو يصمت عنها، أو يسهم في تمريرها سياسياً.
مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا تسقط بالصمت
ما يحدث في غزة الآن، لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة حرب متكاملة، تستهدف البنية التحتية المدنية وعلى رأسها القطاع الطبي، الذي يمثل شريان الحياة لأي مجتمع. وفي ظل هذا الاستهداف الممنهج، يصبح الصمت تواطؤًا، والدعم الصريح خيانة.
إن العالم مطالب اليوم – أفرادًا، ومؤسسات، ودولًا – بأن يتحرك لمحاسبة الجناة ووقف هذا الجنون الدموي. أما الأنظمة التي تخلّت عن دورها، فإنها ستكون، عاجلاً أو آجلاً، جزءًا من سجل العار الذي لن يغفره التاريخ، ولن ينساه الضمير الحي للإنسانية.
اقرأ أيضًا : كمين القسام في خانيونس: ضربة موجعة تكشف هشاشة الاحتلال وصمود المقاومة