كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات القصف الجوي والمدفعي على مدينة غزة ومحيطها، في مشهد يعكس إصرارها على توظيف أدوات الحرب لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للقطاع بالقوة. 

فخلال الساعات الماضية، لم تكتفِ الآلة العسكرية الإسرائيلية بعمليات الاستهداف التقليدية، بل صعّدت من نسف المنازل والمباني السكنية، لا سيما في قلب مدينة غزة، بما يشير إلى وجود مخطط مدروس لإعادة احتلال المدينة وفرض تهجير قسري واسع نحو الجنوب والوسط. 

هذا التصعيد الممنهج دفع آلاف العائلات إلى النزوح غربًا، في محاولة يائسة للهروب من جحيم القصف العنيف، لتتكدّس على طول الساحل في ظروف إنسانية كارثية.

المشهد الميداني يضع غزة في قلب معركة جديدة، حيث لم يعد الاستهداف مقتصرًا على ما يُزعم أنها “مواقع للمقاومة”، بل امتد ليشمل الأحياء السكنية المأهولة. عمليات القصف المتواصلة، مقرونة بعمليات الهدم المتعمد للبنى التحتية، تكشف عن نوايا أبعد من مجرد “الردع العسكري”، بل تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها، بما يشبه سياسة الأرض المحروقة التي عُرفت في تجارب استعمارية سابقة. وبذلك، يعيد الاحتلال إنتاج إستراتيجية “الترانسفير” بشكل دموي، عبر توظيف القصف كأداة للتهجير الجماعي.

استهداف النازحين: جريمة فوق الجريمة

في موازاة التصعيد على مدينة غزة، شهدت خانيونس بدورها مأساة جديدة، إذ استهدفت طائرات الاحتلال خيام النازحين قرب “بير 19” في منطقة المواصي غرب المدينة. هذه الجريمة، التي أودت بحياة شهداء وأدت إلى إصابات متعددة، جاءت بعد وقت قصير من استهدافات مماثلة غرب غزة، لتؤكد أن الاحتلال يتعامل مع المدنيين النازحين باعتبارهم أهدافًا عسكرية مشروعة.

إن استهداف الخيام، التي لم تكن سوى ملاجئ مؤقتة للهرب من نيران الحرب، يبرهن على أن الرواية الإسرائيلية عن “الضربات الدقيقة” محض تضليل إعلامي. فهؤلاء النازحون كانوا قد أُجبروا أصلًا على ترك بيوتهم بفعل القصف، ليلاحقهم الموت في أماكن نزوحهم. هذه الحلقة من العنف المتصاعد تضع الاحتلال في خانة الجرائم المركّبة، حيث لا يكتفي بتهجير السكان قسرًا، بل يلاحقهم بالقصف حتى بعد نزوحهم.

الاستهداف المتكرر لمناطق التجمعات المدنية، سواء كانت مدارس أو مستشفيات أو خيامًا مؤقتة، يكشف سياسة ثابتة قائمة على كسر إرادة المجتمع الفلسطيني بأكمله. وهو ما يصب في صلب تعريف “جرائم الحرب” وفق القانون الدولي، لاسيما اتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المدنيين بشكل متعمد.

حماس والمفاوضات: سياسة النار والدخان

على الصعيد السياسي، وفي ظل هذه الجرائم الميدانية، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس أنها تلقت عبر الوسطاء بعض الأفكار من الطرف الأمريكي حول إمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. الحركة أبدت استعدادها الفوري للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكنها اشترطت أن يكون ذلك في إطار إعلان واضح بإنهاء الحرب، وانسحاب كامل للاحتلال من قطاع غزة، إلى جانب إطلاق سراح جميع الأسرى.

هذا الموقف يعكس إدراكًا من الحركة بأن الاحتلال يحاول استخدام آلة الحرب كأداة ضغط للحصول على تنازلات سياسية. إلا أن طرحها لشروط واضحة يضع الولايات المتحدة أمام اختبار جدي: هل تسعى واشنطن حقًا إلى إنهاء الحرب، أم أنها تسوّق “أفكارًا” مبهمة هدفها منح الاحتلال مزيدًا من الوقت لتكريس وقائع على الأرض؟ فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بات متورطًا في مشهد الدم الفلسطيني، سواء بالصمت أو بالتواطؤ عبر الدعم العسكري والسياسي المفتوح لإسرائيل.

إجرام الاحتلال: سياسة ممنهجة لا عشوائية

من خلال تتبع مسار الأحداث، يتضح أن ما يجري في غزة ليس مجرد “عمليات عسكرية” عشوائية، بل جزء من سياسة ممنهجة. فالقصف المتكرر للأحياء السكنية، واستهداف النازحين في خيامهم، ونسف المباني على رؤوس ساكنيها، كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه وفرض وقائع جديدة بالقوة. هذه السياسة تمثل استمرارًا لنهج الاحتلال منذ 1948، القائم على الاقتلاع والتهجير، مع اختلاف الأدوات فقط.

المفارقة أن الاحتلال يحاول تبرير جرائمه بخطاب “محاربة الإرهاب”، بينما الوقائع على الأرض تكشف استهدافًا ممنهجًا للمدنيين العزل. في غزة اليوم، لم يعد هناك “خطوط حمراء” بالنسبة لجيش الاحتلال: المدارس، المستشفيات، المخابز، وحتى أماكن النزوح المؤقتة، جميعها باتت أهدافًا مشروعة ضمن عقيدة الحرب الشاملة التي ينتهجها.

خاتمة: بين الدم والوعود

ما يجري في غزة اليوم هو مشهد مركب من المأساة الإنسانية والإجرام الممنهج، تحاول فيه إسرائيل فرض واقع جديد على الأرض بالقوة، بينما يتحدث الوسطاء عن “أفكار” لم تتجاوز حدود العموميات. وبينما يسقط الشهداء يوميًا جراء القصف العنيف واستهداف النازحين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستتوقف هذه الحرب بفعل ضغوط دولية حقيقية، أم أن العالم سيواصل إدارة ظهره لمأساة القرن، تاركًا غزة تواجه مصيرها وحيدة أمام آلة الاحتلال؟

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا التصعيد إلا بوصفه جريمة حرب مكتملة الأركان، تستدعي مساءلة دولية عاجلة، لا بيانات إدانة جوفاء ولا مقترحات تفاوضية هشة، إذ إن الدم الفلسطيني اليوم يختبر ضمير الإنسانية جمعاء.

اقرأ أيضًا : الابن الخامس لأم نضال.. شهادة جديدة في مسيرة التضحية الفلسطينية