بقلم ـ أحمد محمد أحمد

في احتفال ضخم أقيم الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، دشنت إثيوبيا رسميًا سد النهضة الإثيوبي الكبير، أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، وسط حضور شعبي ورسمي واسع، تقدمه رئيس الوزراء آبي أحمد. 

في كلمته، وصف آبي السد بأنه “رمز للوحدة الوطنية والنهضة الاقتصادية”، مؤكدا أنه ليس مشروعًا مائيًا فحسب، بل إعلان دخول إثيوبيا عصرًا جديدًا من التنمية.

سد النهضة الذي بدأ تشييده في أبريل/نيسان 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، جاء بمواصفات هائلة؛ عرضه 1.8 كيلومتر وارتفاعه 145 مترًا، وبسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يعادل تقريبًا كامل الحصة التاريخية لمصر من مياه النيل. كما يتوقع أن يولّد أكثر من 5 آلاف ميغاوات من الكهرباء، أي ما يعادل ضعف إنتاج إثيوبيا الحالي من الطاقة، مع إيرادات سنوية قد تصل إلى مليار دولار.

أمام هذه الأرقام الضخمة، قدّمت الفرقة العسكرية الإثيوبية عروضًا موسيقية، فيما نقلت وسائل الإعلام المحلية مشاهد الاحتفال على الهواء مباشرة، ليبدو السد بمثابة إنجاز تاريخي في الذاكرة الإثيوبية.

قلق إقليمي ومخاوف وجودية

رغم الطابع الاحتفالي، لم يغب الجدل الإقليمي حول السد. فمصر والسودان، اللتان تعتمد حياتهما على نهر النيل، تريان في المشروع تهديدًا مباشرًا لأمنهما المائي. وعلى مدار سنوات طويلة من المفاوضات، لم تفلح الجولات الدبلوماسية في وضع ضمانات حقيقية لعدم الإضرار بحصة مصر المائية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

القاهرة تعتبر أن ملء السد وتشغيله بشكل منفرد من قبل إثيوبيا يعني انتقاصًا من حقها التاريخي في مياه النيل، وفق اتفاقيات 1929 و1959 التي أقرّت بحصص واضحة للدولتين. أما الخرطوم، فموقفها ظل متذبذبًا بين رفض المخاطر المحتملة، ورؤية بعض الفوائد مثل الحصول على كهرباء رخيصة وتقليل مخاطر الفيضانات.

وفي خطوة لافتة، وجهت إثيوبيا دعوة لمصر والسودان لحضور الافتتاح، واصفة السد بأنه “رمز للبركة والمنفعة المتبادلة”. غير أن الواقع يقول إن الدعوات الرمزية لا تُخفي الحقائق الصلبة: مشروع بهذا الحجم يمس صميم الأمن القومي المصري والسوداني، ويعني تغيرًا جذريًا في موازين المياه بالمنطقة.

دور السيسي واتفاقية المبادئ.. تفريط في الحقوق

المثير للجدل في الداخل المصري هو الدور الذي لعبه عبد الفتاح السيسي في إضفاء الشرعية على بناء السد. ففي مارس/آذار 2015، وقّع السيسي مع كل من آبي أحمد (رئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك هايلي مريام ديسالين) وعمر البشير (الرئيس السوداني السابق) “اتفاقية إعلان المبادئ” بالخرطوم، والتي مثلت اعترافًا رسميًا من مصر بحق إثيوبيا في بناء السد، دون اشتراطات واضحة تضمن الحفاظ على حصة مصر التاريخية من مياه النيل.

الاتفاقية المكونة من 10 مبادئ عامة، تحدثت بعبارات فضفاضة عن “عدم إحداث ضرر ذي شأن”، و”الاستخدام المنصف والمعقول”، لكنها تركت الباب مفتوحًا أمام التفسيرات الإثيوبية، التي استغلت النصوص الملتبسة للمضي في البناء والملء المنفرد. وهكذا، تحولت الوثيقة إلى السلاح القانوني الذي تستند إليه أديس أبابا اليوم لتقول إنها لم تخالف أي التزامات.

المعارضون في مصر يعتبرون أن السيسي قدّم أكبر تنازل استراتيجي في تاريخ مصر الحديث، إذ أضاع بقرار سياسي غير مدروس الحقوق التاريخية للشعب المصري في النيل، وأدخل البلاد في مأزق وجودي لا رجعة فيه. ويذهب البعض إلى وصف توقيعه على الاتفاقية بأنه “التفريط الأكبر” الذي لم يجرؤ عليه أي رئيس سابق، حتى في أحلك الظروف السياسية التي مرت بها القاهرة.

انعكاسات على الداخل المصري

الافتتاح الإثيوبي أثار جدلاً واسعًا في الشارع المصري، حيث يرى مواطنون أن الاحتفالات التي تبثها أديس أبابا ما هي إلا انعكاس مباشر لفشل النظام المصري في إدارة هذا الملف. فبينما يشاهد الإثيوبيون اليوم تدفق المياه خلف السد كرمز لنهضتهم، يواجه المصريون قلقًا متزايدًا من العطش، تراجع الزراعة، وزيادة فاتورة الغذاء.

الخبراء يحذرون من أن السد سيؤدي إلى نقص في تدفقات المياه إلى مصر، وهو ما ينعكس على الأمن الغذائي، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة وتضخم متزايد. وتبدو الخطورة أكبر مع توقعات ارتفاع عدد سكان مصر إلى أكثر من 120 مليون نسمة خلال سنوات قليلة، ما يزيد الضغط على الموارد المائية المحدودة.

مستقبل مجهول وصراع مؤجل

افتتاح سد النهضة بهذه الصورة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي. فإثيوبيا تؤكد أن السد شأن سيادي لا نقاش فيه، ومصر تتمسك بخطابها الدبلوماسي الذي لم يثمر شيئًا حتى الآن. وبين هذا وذاك، يبقى الواقع أن القاهرة خسرت ورقة الضغط الأساسية بعد توقيع السيسي على اتفاقية المبادئ، التي قيّدت يدها قانونيًا وسياسيًا.

ومع كل ميغاوات إضافي يولده السد، ستزداد الهوة اتساعًا بين ما حققته إثيوبيا من إنجاز، وما خسرته مصر من موقعها التاريخي على نهر النيل. وهكذا، يتحول السد من مشروع تنموي إثيوبي إلى شاهد صامت على أكبر تفريط في حقوق مصر الاستراتيجية، ليبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القاهرة تعويض ما ضاع، أم أن المستقبل سيحمل مزيدًا من التنازلات؟

اقرأ أيضًا : ماذا وراء قصف الأبراج في غزة؟.. الاتصالات أداة جديدة للإبادة