بقلم / أحمد محمد أحمد

يقترب قطاع غزة من كارثة إنسانية جديدة، هذه المرة ليست عبر القصف المباشر أو المجاعة وحدهما، بل من خلال تهديد وشيك بانقطاع شامل لشبكات الاتصالات والإنترنت. 

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حذر مؤخرًا من أن الاستهداف المتكرر للأبراج السكنية والبنايات العالية لم يعد مجرد هدم لمساكن المدنيين، بل تحوّل إلى وسيلة لعزل السكان عن العالم، وتجريدهم من أدوات النجاة والتوثيق. 

بهذا، تتضح صورة أوسع: الاحتلال يستخدم قصف الأبراج كجزء من هندسة ممنهجة للإبادة الجماعية المستمرة منذ 23 شهرًا.

تدمير البنية التحتية: عزل متعمّد للسكان

المرصد أوضح أن الأبراج المستهدفة ليست مجرد كتل خرسانية، بل تحمل على أسطحها محطات الاتصالات والإنترنت التي تمثل الشريان الوحيد لتواصل مليوني فلسطيني مع العالم الخارجي. قصف برج “مشتهى” المكون من 15 طابقًا مثال صارخ، إذ أدى تدميره إلى الإضرار بمئات الأبنية المجاورة وفقدان خدمات أساسية. مع شح الوقود وغياب الكهرباء، تصبح محطات التشغيل مهددة بالتوقف الكامل، ما يعني دخول غزة في عزلة قاتلة.

هذه العزلة لا تمنع فقط المدنيين من طلب النجدة أو التواصل مع عائلاتهم، بل تجعل عمليات الإسعاف والإغاثة شبه مستحيلة، وتقطع الطريق أمام توثيق الجرائم، وهو ما يفتح الباب أمام الاحتلال لتوسيع مجازره بعيدًا عن أعين العالم.

سياسة ممنهجة: تاريخ متكرر من قطع الاتصالات

انقطاع الاتصالات في غزة ليس حدثًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية إسرائيلية متكررة. خلال أقل من عامين، قُطعت الشبكات أكثر من 12 مرة، في كل مرة مع بدء عمليات عسكرية واسعة. الهدف واضح: عزل السكان، تقييد حركتهم، ومنعهم من فضح الانتهاكات.

بهذا المعنى، يصبح انقطاع الاتصالات “سلاحًا صامتًا” لا يقل فتكًا عن الصواريخ. فالطواقم الطبية التي لا تستطيع تحديد مواقع الضحايا، والأسر التي تفقد أي وسيلة لطلب المساعدة، كلها ضحايا لسياسة قتل غير مباشر.

البعد الديمغرافي: تهجير قسري تحت غطاء “أمني”

المرصد أشار إلى أن استهداف الأبراج جزء من خطة أوسع لفرض واقع ديمغرافي جديد في غزة. فالدمار الهائل يجبر السكان على النزوح قسرًا، خاصة مع أوامر الجيش الإسرائيلي الأخيرة بإخلاء مدينة غزة شمالًا والتوجه إلى “المواصي” في خان يونس، التي حددها كـ”منطقة إنسانية”.

هذه السياسة تحمل بصمات واضحة للهندسة السكانية: تفريغ مناطق بعينها، وتجميع السكان في أماكن محاصرة، تمهيدًا لفرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. قطع الاتصالات هنا ليس سوى أداة إضافية لتسريع هذا المسار، عبر عزل النازحين عن العالم وإجبارهم على الخضوع لأوامر الاحتلال.

التواطؤ الدولي: حصانة لإسرائيل رغم الجرائم

من اللافت أن هذه السياسة الإسرائيلية تجري بدعم أمريكي واضح، في وقت لم يتم فيه تنفيذ أي من أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين الإسرائيليين. المرصد دعا الأمم المتحدة والجمعية العامة لعقد دورة طارئة، وفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية على إسرائيل، تشمل تجميد الأصول ووقف الامتيازات التجارية.

لكن حتى الآن، ما زالت الاستجابة الدولية محكومة ببيانات تنديد عامة لا توقف القصف ولا تمنع العزلة الرقمية. هذا التخاذل يجعل المجتمع الدولي شريكًا غير مباشر في تمكين إسرائيل من تحويل البنية التحتية المدنية إلى سلاح إبادة.

الأرقام الفاضحة: حصيلة الإبادة الممتدة

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلّفت حرب الإبادة في غزة أكثر من 64 ألف قتيل و162 ألف جريح، معظمهم نساء وأطفال، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود. مئات الآلاف نزحوا قسرًا، فيما حصدت المجاعة أرواح 376 فلسطينيًا، بينهم 134 طفلًا. 

هذه الأرقام الصادمة تتضاعف خطورتها إذا اقترنت بعزلة كاملة عن العالم، حيث لن يبقى للضحايا حتى فرصة إيصال صرخاتهم الأخيرة.

خلاصة: قصف الأبراج جريمة مركبة

ما يحدث في غزة اليوم يكشف بوضوح أن قصف الأبراج السكنية ليس مجرد استهداف عسكري، بل جريمة مركبة: تدمير للمنازل، تهجير قسري، عزل اتصالي، وحرمان من أبسط مقومات الحياة. إنه شكل جديد من الإبادة يستخدم “الفراغ الرقمي” كأداة قتل، تمامًا كما يستخدم الاحتلال الصواريخ والدبابات.

الاحتلال يسعى من خلال ذلك إلى فرض عزلة تامة على غزة، لتتحول إلى “منطقة صامتة” خارج الوعي العالمي. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية، فإن انقطاع الاتصالات لن يكون مجرد أزمة تقنية، بل فصلًا جديدًا في جريمة إبادة متواصلة.

اقرأ أيضًا : أونروا تكشف الحقيقة المروعة.. غزة تموت جوعًا ومرضًا