في خضم الحرب الدائرة على فلسطين، انتشرت روايات تتحدث عن تورّط دولة الإمارات العربية المتحدة في تسهيل إمدادات عسكرية للاحتلال الإسرائيلي عبر شحنات عسكرية أمريكية تمر من أراضيها. هذا الاتهام أثار جدلاً واسعاً حول دور الإمارات ليس كطرف محايد أو وسيط سلام فقط، بل كمُسهّل لوجستي يساهم ـ بواسطة شبكات معقدة ـ في تمكين قوات الاحتلال من مواصلة عدوانها على الفلسطينيين.
حتى لو ظهرت أجزاء من هذه الادعاءات على أنها “ادعاءات غير محققة” أو “معلومات متداولة”، فإن السجل العام لدولة الإمارات في دعم ميليشيات أو أطراف مسلحة في مناطق نزاع — عبر تأمين ممرات لوجستية أو تسهيلات سياسية أو مادية — يجعل هذا الاحتمال جدّيًا ويستدعي النظر إليه بجدية.

الخلفية: الإمارات كفاعل لوجستي وداعم لميليشيات
الإمارات خلال السنوات الماضية لم تكتفِ بدور دبلوماسي واقتصادي في الخارج، بل توسّعت شبكاتها لتشمل دعمًا لوجستيًا وماديًا لأطراف مسلحة في دول مثل السودان. تلك العمليات شملت توريدات أسلحة، طائرات مسيرة، دعم استخباراتي، بالإضافة إلى غطاء دبلوماسي.
هذا النمط من الفعل — تسهيل تسليح وتدريب وتمويل ميليشيات — يعكس استراتيجية إماراتية تتجاوز الحدود الوطنية إلى تدخلات في صراعات إقليمية. بمعنى أن الإمارات تعتبر نفسها لاعبًا أمنيًا وإقليميًا، وليست مجرد قوة اقتصادية مجردة أو دولة محايدة.
لماذا اتهام “إجرام ضد الفلسطينيين” وارد؟
إذا صحت التقارير — أو حتى إذا كان هناك جزء من الحقيقة — بأن هناك شحنة عسكرية تمر عبر الإمارات باتجاه الاحتلال، فهذا يشير إلى مشاركة غير مباشرة في حرب تستهدف مدنيين فلسطينيين. فكل سلاح يُستخدم ضد أطفال أو مدنيين أو منازل أو بنى تحتية يُضيف إلى المعادلة مسؤولية أولئك الذين سهّلوا وصول هذا السلاح.
بهذا تصبح الإمارات ليست مجرد دولة “مطبّعة” مع الاحتلال أو “تجارة وعلاقات” فحسب، بل طرفًا فعليًا، ولو بصورة غير مباشرة، في جرائم الحرب التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية.
كما أن هذا الدور يكسر ما تسوقه بعض الدول الخليجية من صورة “وسيط سلام” أو “منفتح على التطبيع” — فإذا كانت تسهّل إمداد الاحتلال بالسلاح، فإن ما تسمّى “تطبيعًا” ليس تطبيعًا للسلام، بل تغطية على تعاون عسكري وأمني مع المحتل.
ديناميكية التحالفات والاعتبارات الجيواستراتيجية
قد يجادل البعض بأن الإمارات تتصرف بناءً على حسابات استراتيجية — خلافات داخل العالم العربي، مصالح اقتصادية أو أمنية، رغبة في بناء تحالف مع إسرائيل والغرب. لكن من منظور إنساني وأخلاقي، هذه الحسابات لا تُبرّر تسهيل سلاح يُستخدم ضد شعب محتل.
التحالفات الإقليمية يمكن أن تُبنى على المصالح، لكن حين تتحول إلى دعم مباشر أو تسهيل عدوان، فإن الإمارات تدخل في منطقة المسؤولية القانونية والأخلاقية.
مخاطر سكوت المجتمع الدولي والمجتمع العربي
التغاضي عن الاتهامات أو انتظار “الدليل القاطع” قد يعطي الضوء الأخضر لمزيد من الصفقات السرّية. كل يوم تمويه أو إنكار يُتيح فرصة لتوسعة شبكات التوريد، لتجريب أسلحة جديدة، لتطوير قدرات الاحتلال.
ولهذا السبب، فإن الصمت الدولي والعربي حول هذا الملف يشكّل خيانة أخلاقية لقضية فلسطين، ويُسهّل استمرار العدوان بغطاء دبلوماسي وسياسي.
لماذا نحتاج مسار تحقيق وتقاطع مع حقائق واضحة؟
لكي يُحاسب من يسهّل السلاح إلى المحتل — حتى لو بشكل غير مباشر — يجب أن يُفتح تحقيق مستقل، يُحاول تتبّع الرحلات الجوية، شبكات النقل، معاملات مالية، وكل المسارات التي قد تحمل دلائل. ليس فقط على أساس العاطفة أو الاتهام، بل على أساس قواعد محاسبة أخلاقية وقانونية.
كذلك، يجب أن تُفعّل الضغوط العربية والدولية على دول مثل الإمارات، لتوضيح موقفها رسمياً، ولمنع تحوّل “التطبيع” إلى تغطية رسمية أو سرّية لتمويل الحرب على المدنيين.
الخلاصة
الروايات التي تتحدث عن “شحنة عدو عبر الإمارات” قد تبدو ـ للبعض — ضمن “مناطق الظن”. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الإمارات سبق وأن مارست دورًا لوجستيًا وعسكريًا في نزاعات معقدة في المنطقة، مما يجعل فكرة أن تلعب دوراً مماثلاً في دعم الاحتلال الإسرائيلي أمرًا داخل نطاق الاحتمال الواقعي.
لهذا، فإن هذا الأمر لا ينبغي أن يُنظر إليه كأخبار عابرة، أو “اتهامات” بلا أساس. بل كإشارة تحذيرية — إلى أن بعض الدول تحوّل تعاونها مع “إسرائيل” إلى تعاون عسكري — وهذا يعني أن المجتمع الدولي، والمجتمع العربي، مدعوّان لفتح ملف المساءلة، وطلب توضيحات رسمية، وضمان عدم استخدام أراضي ودول عربية كأماكن انطلاق لأسلحة تُستخدم ضد مدنيين فلسطينيين.
اقرأ أيضًا : السيسي يعسكر الأئمة والجامعات.. دولة تتآكل لصالح الجنرالات