في خطوة تعكس عمق التحول الذي وصلت إليه مصر في عهد عبد الفتاح السيسي، أعلنت السلطات عن بدء تنفيذ برنامج “تدريب عسكري” داخل الأكاديمية العسكرية المصرية للأئمة التابعين لوزارة الأوقاف، وكذلك لطالبات الجامعات.
الخبر لم يأتِ بمعزل عن سياق ممتد منذ 2013، بل يُعد حلقة جديدة في مشروع أوسع: عسكرة كل شيء.
الدين، التعليم، الإعلام، الاقتصاد، المجتمع المدني، كلّها اليوم تحت قبضة الجنرال الذي يرى مصر ثكنة ضخمة يجب ضبطها وإدارتها بعقلية عسكرية خالصة.

هذه الخطوة أثارت موجة جدل واسعة، ليس لأنها مجرد تدريب، بل لأنها تكشف كيف تحوّلت الدولة إلى كيان يُعيد صناعة كل المؤسسات بمفهوم واحد: لا صوت يعلو فوق صوت العسكر.

كيف تحوّل الأئمة إلى “جنود”؟.. عسكرة المنابر الدينية

منذ سنوات، يسعى النظام للسيطرة على المساجد والخطاب الديني، لكن إدخال الأئمة إلى معسكرات تدريب عسكري يذهب إلى مستوى جديد من التحكم.
معنى ذلك ببساطة:

  • الإمام الذي كان يتلقى علوم الفقه والحديث سيُعاد تشكيله ليكون موظفًا منضبطًا عسكريًا، لا صاحب رسالة دينية مستقلة.
  • المنبر، الذي كان يفترض أن يعبّر عن ضمير المجتمع، يتحول إلى منصة خطاب رسمي.
  • الدولة لا تريد أئمة، بل “ضباط منابر” مهمتهم حماية الرواية الرسمية، لا حماية الوعي.

والأخطر أن هذا النوع من “التدجين” الديني يخلق أجيالًا من رجال الدين الذين لا يعرفون سوى الطاعة والتنفيذ، وهو ما يُفقد المجتمع آخر مساحات التعبير الروحي والفكري.

عسكرة الجامعات.. الطالب يصبح مجندًا بلا سلاح

القرار بفرض تدريبات عسكرية لطالبات الجامعات ينسجم مع مسار أوسع بدأ منذ سنوات:

  • تعيين رؤساء الجامعات والاتحادات الطلابية بقرارات أمنية.
  • إغلاق المجال العام داخل المؤسسات التعليمية.
  • تحويل الجامعة من فضاء حر إلى منشأة منضبطة لا تسمح بنقاش أو معارضة.

لكن إدخال الطالبات إلى تدريبات عسكرية يضيف بعدًا أكثر خطورة:
إنه إعلان بأن عقل الجامعة يجب أن يخضع لنفس المنطق الذي تدار به الثكنة العسكرية.
لا مكان لحرية تفكير، لا مكان للتنوع، لا مكان حتى لاختلاف علمي.
الهدف: صناعة جيل لا يطرح أسئلة، ولا يشكل خطرًا على النظام، ولا يعرف سوى ثقافة الطاعة.

لماذا يعسكر السيسي المجتمع بهذا الشكل؟

1) خوف عميق من أي بنية مجتمعية مستقلة

النظام يرى في كل مؤسسة مدنية — دينية أو تعليمية أو نقابية — تهديدًا محتملًا.
والحل بالنسبة له واضح:
اخضعها، سيطر عليها، أضعف استقلاليتها، واجعلها جزءًا من المنظومة العسكرية.

2) رغبة في خلق “مواطن مثالي للنظام”

المواطن الذي يريده السيسي هو:

  • منضبط
  • مطيع
  • لا يحتج
  • لا يسأل كثيرًا
  • لا يتحرك خارج الإطار الذي تحدده السلطة

ولهذا يتم إنتاجه من البداية داخل المدارس والجامعات والمساجد بخطاب واحد.

3) تحويل مصر إلى “دولة أمنية كاملة”

في هذا النموذج، لا يوجد فصل بين مدني وعسكري.
الإعلام عسكري.
الاقتصاد عسكري.
الدين عسكري.
التعليم عسكري.
وحتى المجتمع المدني لا يُسمح له بالوجود إلا بشكل صوري.

عسكرة الدولة ليست أمنًا.. بل إفقار للعقل والوعي

المدافعون عن القرار يروجون أنه “ضبط وانضباط” و”محاربة التطرف” و”رفع الكفاءة”.
لكن الحقيقة أن عسكرة التفكير لا تنتج أمنًا، بل تنتج:

  • مجتمعًا خائفًا
  • جيلًا خانعًا
  • مؤسسات بلا روح
  • غيابًا للتنوع والخلاف
  • قتلًا لأي إمكانية للإبداع أو النهضة

الدول تتقدم حين يكون عقلها المدني قويًا، ومساحاتها الديمقراطية واسعة، ومؤسساتها الدينية والتعليمية مستقلة.
أما حين يصبح الإمام جنديًا، والطالبة مقاتلة، والجامعة ثكنة، فذلك يعني دولة فقدت توازنها، وأصبح العسكر هو صاحب القرار في كل التفاصيل.

وضع مصر اليوم: من دولة الجيش إلى دولة العسكر

مصر لم تعد دولة “الجيش”، أي المؤسسة الوطنية التي تُدافع عن الحدود.
بل أصبحت “دولة العسكر”:

  • دولة تُدار بعقلية أمنية.
  • دولة تُعادي الاستقلال المدني.
  • دولة تُحاول صناعة إنسان واحد ووطن واحد ورأي واحد.
  • دولة تُعيد تشكيل المجتمع على صورة الجنرال.

السيسي لا يريد دولة تتطور، بل دولة تُطيع.
ولا يريد منافسة، بل اصطفافًا.
ولا يريد عقلًا نقديًا، بل عقلًا يتلقى الأوامر.

خاتمة: ماذا بعد عسكرة الأئمة والجامعات؟

السؤال الحقيقي ليس “لماذا التدريب العسكري؟”
بل: إلى أين يأخذ السيسي مصر؟

إذا كان الإمام سيصبح جنديًا، والجامعة ستصبح معسكرًا، والمجتمع سيصبح وحدة منضبطة، فإننا أمام مشروع خطير يعيد تشكيل مصر على نموذج دولة مغلقة، تُدار بعقلية أمنية شاملة.

والأخطر أن هذا النموذج لا يخلق استقرارًا، بل يخفي الغضب تحت السطح، ويُضعف المجتمع، ويُفقر الوعي، ويقتل آخر مساحات الحرية.

فالدولة التي تُعسكر كل شيء، هي في الحقيقة دولة تخشى كل شيء.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال في غزة.. قصف متواصل وعمليات نسف واسعة للمناطق السكنية