في تصعيد خطير يعكس حجم العبث الإماراتي بالمشهد اليمني، تمكّنت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة بشكل مباشر من أبوظبي، الأربعاء، من السيطرة على معسكرات الجيش اليمني الشرعي في وادي حضرموت شرق البلاد، في خطوة تُعدّ من أخطر التطورات الميدانية خلال السنوات الأخيرة، لما لها من تبعات سياسية وعسكرية على مستقبل اليمن ووحدته واستقلاله.

تأتي هذه السيطرة في ظل تسارع واضح لتحركات الانتقالي نحو فرض أمر واقع بالقوة في المحافظات الجنوبية والشرقية، بدعم مالي وعسكري ولوجستي من الإمارات التي تسعى، وفق مراقبين، إلى تفكيك الدولة اليمنية وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، لا سيما في المناطق الساحلية الغنية بالموارد والمنافذ البحرية.

هجوم مفاجئ.. وانسحاب غامض للقوات الحكومية

وبحسب معلومات حصلت عليها مصادر محلية، فإن قوات الانتقالي شنّت فجر الأربعاء هجومًا واسعًا على معسكرات الجيش اليمني التابعة للمنطقة العسكرية الأولى، وعلى المدن الرئيسية في وادي حضرموت، وفي مقدمتها مدينة سيئون، ثاني أكبر مدن المحافظة. ورغم أن وحدات الجيش كانت قد أعلنت قبل يومين فقط رفع جاهزيتها القتالية تحسبًا لهجوم مرتقب، فإن ما حدث كان صادمًا للأوساط اليمنية.

المصادر كشفت أن قيادة المنطقة العسكرية الأولى أصدرت أوامر مباشرة لوحداتها بالانسحاب وعدم مواجهة قوات الانتقالي، دون تقديم تفسير رسمي. هذا الانسحاب السريع وغير المتوقَّع فتح الباب أمام تساؤلات واسعة: هل كانت هناك صفقة سياسية؟ هل تعرض قادة الوحدات لضغوط إقليمية؟ أم تُركت حضرموت لمصيرها ضمن ترتيبات إقليمية أكبر؟

مهما كانت الإجابة، فإن النتيجة واحدة: دخول قوات الانتقالي مدن وادي حضرموت دون مقاومة تُذكر، ما يعزز فرضية وجود تفاهمات عليا أُبرمت خارج إرادة المؤسسات اليمنية الشرعية.

سيطرة كاملة على المنشآت العسكرية والمدنية

وبحسب المصادر، فقد بسط الانتقالي سيطرته على مرافق حيوية ذات أهمية استراتيجية في سيئون ومحيطها، شملت:

  • مطار سيئون الدولي
  • القصر الجمهوري
  • معسكر اللواء 37 مدرع

    معسكر اللواء 135 مشاة

  • معسكر اللواء 101 جوية

     

كما أن قوات الانتقالي انتشرت داخل المدن وأقامت نقاط تفتيش مكثفة في جميع المداخل والمخارج، ونشرت دوريات عسكرية بكثافة في الشوارع والأحياء، في مشهد يؤكد أنها كانت تتحرك وفق خطة معدّة مسبقًا وبدعم تقني ولوجستي كامل.

وتشير المصادر إلى أن عدداً من الجنود التابعين للجيش الشرعي جرى اعتقالهم، إضافة إلى حملة مداهمات واسعة استهدفت منازل ضباط كبار في المنطقة العسكرية الأولى، حيث جرى اعتقال البعض، بينما تعرضت ممتلكات أخرى للنهب، بما في ذلك متاجر ومركبات خاصة بموظفين مدنيين في المؤسسات الحكومية التي تمت السيطرة عليها.

حضرموت.. جائزة كبرى للإمارات

لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن الاستراتيجية الإماراتية في اليمن. فمنذ دخول أبوظبي في الحرب تحت مظلة التحالف، تحوّل دورها تدريجيًا من دعم “الشرعية” إلى بناء مليشيات موازية ومؤسسات أمنية بديلة، تعمل خارج سلطة الدولة اليمنية وتديرها الإمارات بصورة مباشرة.

اليوم، وبعد إحكام الانتقالي قبضته على عدن ولحج والضالع وسقطرى وأجزاء واسعة من شبوة، يبدو أن أبوظبي كانت تتطلع إلى الجائزة الأهم: حضرموت، أكبر محافظة يمنية مساحة، وأغناها بمخزون النفط والغاز، والأقرب إلى الساحل الاستراتيجي الممتد من المكلا حتى المهرة، إضافة إلى قربها من خطوط الملاحة في بحر العرب.

السيطرة على حضرموت تعني للإمارات أمراً جوهرياً: تثبيت نفوذها الدائم في شرق اليمن، وتأمين مصالحها في الموانئ والممرات البحرية، وتحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ سياسي واقتصادي وأمني خاضع لها بالكامل، في إطار مشروع تقسيم اليمن إلى كانتونات ضعيفة يسهل التحكم بها.

انقلاب جديد على الدولة اليمنية

ويعتبر خبراء يمنيون أن ما حدث في حضرموت هو انقلاب كامل الأركان على سلطة الحكومة الشرعية، يُضاف إلى سلسلة الانقلابات التي نفذها الانتقالي خلال السنوات الماضية. فالانتقالي الذي رفع شعار “استعادة دولة الجنوب” أصبح أداة إماراتية لتقويض الدولة عبر محاصرة مؤسسات الشرعية في مناطق نفوذها، ومن ثم إسقاطها واحدة تلو الأخرى.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد اليمن حالة من الجمود السياسي، وتراجعًا في قدرة الحكومة على فرض سلطتها، وتزايدًا في النفوذ الخارجي الذي بات يعيد رسم الخارطة اليمنية بما يخدم مصالح دول إقليمية.

ماذا بعد؟.. اليمن على أعتاب جولة جديدة من الصراع

السيطرة على وادي حضرموت ليست حدثًا عابرًا، بل هي تحول خطير ينذر بمرحلة جديدة من التشظي والصراع. فالمنطقة التي تُعد آخر معاقل الجيش الحكومي في الشرق، أصبحت الآن تحت سيطرة مليشيا ذات مشروع انفصالي واضح، بدعم إماراتي غير قابل للإنكار.

هذا التطور قد يفتح الباب أمام:

  • صدامات مستقبلية مع قوات الشرعية إذا قررت إعادة تموضعها أو الرد.

  • تصعيد سعودي–إماراتي غير مباشر بسبب تنافس النفوذ في حضرموت.

  • تعميق الانقسام الجغرافي بين شمال تحت سيطرة الحوثيين وجنوب تسيطر عليه أبوظبي عبر وكلائها.

  • إضعاف الحكومة اليمنية بالكامل، ما يُفقدها أي أوراق قوة في المسار السياسي.

وفي النهاية، فإن الإمارات، التي تقدّم نفسها كداعم للاستقرار، تواصل، وفق الوقائع على الأرض، تدمير اليمن وتمزيقه عبر تغذية الصراعات الداخلية وتمكين مليشيات تابعة لها، لتصبح حضرموت اليوم ضحية جديدة في مشروع لا يعرف سوى لغة القوة والمصالح الضيقة.

اقرأ أيضًا : عام الإجرام الإسرائيلي 2025.. العام الأشد دموية ضد الفلسطينيين