يكشف التقرير الصادر عن منظمات حقوقية إسرائيلية أنّ عام 2025 لم يكن عامًا عاديًا في سياق الاحتلال، بل عامًا اتخذ فيه العنف طابعًا منهجيًا ممنهجًا، هدفه تفكيك المجتمع الفلسطيني وإضعافه على المستويات كافة.
إذ لم تعد العمليات العسكرية مجرّد ردود أفعال، بل تحوّلت إلى مسار ثابت يرمي إلى تدمير البيئة المدنية، واستهداف السكان بطريقة مباشرة، وإشاعة حالة من الانهيار الاجتماعي والنفسي داخل غزة والضفة على حدّ سواء.

غزة تحت القصف والحصار
شهد قطاع غزة خلال 2025 واحدة من أسوأ المراحل في تاريخه الحديث، إذ تواصل القصف الجوي بشكل شبه يومي على الأحياء السكنية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء. وبموازاة آلة القتل، واصل الاحتلال تشديد الحصار الذي تحوّل إلى سياسة للتجويع الكامل، فغابت الإمدادات الغذائية، وتعطّلت المستشفيات، وانهارت القدرة الصحية بالكامل، بينما انتشرت المجاعة وظهرت حالات وفاة بين الأطفال نتيجة الجفاف وسوء التغذية. وتحوّل البحث عن الماء والدواء إلى معركة يومية، تُظهر حجم الإجرام الذي لا يعتمد على السلاح فحسب، بل على خنق الحياة بكل تفاصيلها.
تهجير قسري يطال كل بيت
مع استمرار القصف، اضطرّت آلاف العائلات للنزوح المتكرر من منطقة إلى أخرى، وسط انعدام أي مكان آمن. عمليات التهجير لم تكن نتيجة عرضية للقصف، بل ممارسة مدروسة تستهدف دفع السكان إلى فقدان القدرة على الاستقرار أو إعادة بناء حياتهم. أحياء كاملة مُسحت، وشوارع اختفت، ومناطق لم يعد يسكنها أحد، ما جعل غزة تبدو كمنطقة منكوبة يعيش أهلها في حلقة دائمة من الخوف والترحّل.
الضفة في مواجهة العنف المنظّم
وفي الضفة الغربية ارتفع منسوب العنف بصورة غير مسبوقة، حيث نفّذ المستوطنون اعتداءات يومية على القرى والبلدات، تحت حماية قوات الاحتلال التي كانت تشارك في الاقتحامات أو توفر الغطاء للمستوطنين. وشهد العام طردًا جماعيًا لتجمعات سكانية ريفية، والسيطرة على الأراضي، وتخريب المحاصيل، وإغلاق الطرق، ما خلق بيئة خانقة تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل أو الخضوع. واستُخدمت الاقتحامات المتكررة كأداة لفرض واقع جديد يقوم على ترهيب السكان وتفتيت نسيجهم الاجتماعي.
الاعتقال كأداة لإسكات المجتمع
يُظهر التقرير تصعيدًا خطيرًا في سياسة الاعتقال الإداري، التي تحولت إلى وسيلة عقاب جماعي تستهدف فئة واسعة من الشباب والطلاب والعاملين والناشطين. آلاف المعتقلين احتُجزوا دون تهمة ودون حق في المحاكمة، وسط ظروف احتجاز قاسية أدت إلى وفاة عدد من الأسرى نتيجة الإهمال الطبي. الاعتقال هنا ليس إجراءً أمنيًا، بل محاولة لكسر إرادة المجتمع، وإحداث فراغ داخل البيوت، وإضعاف قدرة الفلسطينيين على المقاومة اليومية للبقاء والصمود.
تدمير ممنهج لمقومات الحياة
يؤكد التقرير أنّ الاحتلال اعتمد خلال العام سياسة تستهدف البنية التحتية الفلسطينية بشكل مباشر، من خلال ضرب شبكات المياه والكهرباء، ومحو المرافق المدنية، وتدمير الطرق، وفرض قيود صارمة على الحركة والتنقل. هذه الإجراءات ليست نتائج ثانوية للحرب، بل جزء من منظومة تهدف إلى جعل الحياة اليومية غير ممكنة، ودفع السكان إلى اليأس الكامل. ومع غياب المحاسبة الدولية، تمدّد الاحتلال في ممارساته دون رادع، ما زاد من حجم الدمار المادي والنفسي في المجتمع.
عام يكشف وجه الاحتلال الحقيقي
يخلص التقرير إلى أنّ عام 2025 كشف بوضوح أنّ الاحتلال لم يعد يسعى إلى إدارة الصراع، بل إلى فرض واقع يقوم على الهيمنة الكاملة، عبر التجويع والتهجير والقتل والاعتقال. لم يعد يسعى إلى السيطرة على الأرض فقط، بل إلى تفكيك قدرة الفلسطيني على الحياة ذاتها. ومع هذا الانفلات الكبير من أي محاسبة، يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة منظومة تسعى إلى سحقهم، بينما يقف العالم متفرجًا أمام أكثر الأعوام دموية في تاريخ هذا الصراع.
اقرأ أيضًا : الإمارات مروجة الإسلاموفوبيا.. هجوم يستهدف مسجداً وجمعية في فرنسا