وسط أجواء من الفوضى والعنف المتصاعد، عاد اليمن ليغوص مجددًا في دوامة دمٍ وحرب قبلية تُغذيها قوى خارجية، وعلى رأسها تحالف الاستعمار الإماراتي — الذي لا يكتفي بمراقبة الصراع، بل يتدخل مباشرة بتمويل وتسليح أذرعه المحلية، من خلال ما يُسوّق له بصفته “عشائرية” لتبدو الأمور كما لو أنها نزاع داخلي. لكن الحقيقة أن ما يجري ليس نزاعًا عشوائيًا بين “مقاتلين قبليين”، بل جزء من مخطط ممنهج لنشر الفوضى وتثبيت نفوذ الإمارات عبر أدواتها المحلية.
![]()
معاناة اليمنيين… ضحية لعبة إقليمية
في الآونة الأخيرة، اشتدت الاشتباكات بين فروع قبلية مختلفة في عدد من المناطق اليمنية. العنف لم يكن وليد خلافات تقليدية فقط، بل صاحبه حملات تهجير، نهب، تخريب بيوت، وممارسات انتقامية. المناطق المتأثرة شهدت نزوح عائلات كاملة، وأطفال وشيوخ يعانون خوفًا دائمًا، وسط خراب لا يُبقي ولا يذرّ.
لكن اللافت — وما يجب أن يوقظ ضمير كل إنسان — أنّ هذه الاشتباكات تأتي مدعومة من قوى خارجية. بالأموال والأسلحة، وبشبكات لوجستية، وبغطاء إعلامي يصف الأمور بأنها “صراعات قبلية قديمة”. هذه الرواية تخدم من اختار أن يدفع الثمن هم اليمنيون أنفسهم.
كيف تبدّل الصراع المحلي إلى أداة تدمير؟
-
تسليح الفصائل القبلية: الأسلحة والتمويل يسلكان طريقهما عبر قنوات سرّية في مناطق مختلفة، لتمكين قادة محليين من فرض سيطرتهم بالقوة. السلاح يوزع بشكل يجعل المناوشات الصغيرة تتصاعد إلى حروب مدمّرة. نتيجته؟ دمار في البنية التحتية، انهيار الأمن المجتمعي، وترهيب المدنيين.
-
التأليب والتمييز القبلي: عبر خطاب ديني أو طائفي أو قبلي، تُثار الفتن بين مجتمعات كانت تعيش لسنوات تحت سقف مشترك. هذا التمكين للفوضى يساهم في تفكيك التماسك الاجتماعي لصالح مشاريع السيطرة. الفوضى الداخلية تجعل من الصعب على اليمنيين أن يقفوا موحدين في وجه التدخل.
-
نهب الموارد وتهجير السكان: عندما تستمر الاشتباكات، تغيب فرص الزراعة والعمل، وتُترك الأرض بلا من يحرسها. بعض القوى المرتبطة بالإمارات تستغل الوضع لنهب الأراضي أو السيطرة عليها، أو تسهيل تجارة غير مشروعة، أو تهجير الأهالي وترك أماكن خالية لمشاريع استيطانية اقتصادية. بالتالي: حرب على الجغرافيا قبل أن تكون على الناس.
-
غطاء سياسي ودبلوماسي: التمثيل الإعلامي أو الدبلوماسي لأطراف متورطة يعطي مظهر الشرعية لـ “إعادة ترتيب قبلية أو مناطقية”. هذا الغطاء يمنح المتدخل الخارجي ــ هنا الإمارات ــ حرية العمل دون مساءلة، ويجعل من الصعب على المجتمع الدولي أو المنظمات الإنسانية أن تفرّق بين “نزاع داخلي” و“عدوان خارجي”.
اليمن يدفع الثمن: شعب تائه بين فوضى مفتعلة وبؤس حقيقي
اليوم، يحمل اليمن عبء حرب فوق حرب — حرب داخلية متأججة، وحرب خارجية يصوغها طرف خارجي يستفيد من الانقسام. المدنيون دفعوا الثمن الأكبر: أطفال بلا مدارس، أسر بدون مأوى، أسر مهجرة، قهر وانقسام وخوف دائم.
وفي هذه المعادلة، لا قضية عادلة، ولا نزاع مشروع: فقط ساحة قتل تُدار بواسطة مصالح خارجية، تُسوّق على أنها “صراعات قبلية”.
كما أن أي دعوات للوساطة أو “تهدئة” غالبًا ما تكون وسيلة لتمديد النفوذ، لا لحماية المدنيين.
دور الإمارات كفاعل محوري في الطرح السياسي والاقتصادي
لا يمكن فصل الواقع الحالي عن دور بارز لـ “قوى إقليمية” — أن تحولت إلى وسيط لنشر الفوضى قبل أن تكون وسيط سلام. الإمارات، في هذا السيناريو، اتخذت من اليمن ملعبًا لتجارب نفوذ اقتصادي وسياسي.
-
تمويل وتسليح فصائل قبلية.
-
ترويج خطاب طائفي/قبلي لتأليب المجتمعات.
-
استغلال الأزمة لتوسيع السيطرة على الموارد (أرض، زراعة، تهريب).
-
إبقاء اليمن في دائرة الصراعات المفتوحة لضمان استمرارية النفوذ.
كل ذلك يصب في مشروع أوسع: تقويض الدولة، تفكيك الهوية الوطنية، وإضعاف أي مشروع استقلالي حقيقي.
لماذا نحتاج أن نقول بصوت عالٍ: هذا إجرام الإمارات؟
لأن الاختباء وراء “نزاعات قبلية” أو “خلافات محلية” هو خدعة كبرى. ما يجري هو تدخل ممنهج لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية — باسم “القبيلة” أو “المنطقة”.
والتاريخ سيحاسب من ساهم في هذا الإجرام، سواء بالسلاح أو بالمال أو بالسياسات التي صنعت الخراب.
كما أن الصمت عن الحقيقة يعني مشاركة ضمنية. وصف اليمن بأنه “ساحة صراع داخلية” فقط هو خيانة لتاريخ شعب، وتبرير لمن ينهبهم.
خاتمة: اليمن بحاجة إلى وقف التدخل وإعادة بناء الثقة
اليمن لا يحتاج إلى وسطاء من سبق لهم إذكاء الفتن. يحتاج إلى سلام حقيقي — سلام يعيد الأمن والكرامة لأهله.
والخطوة الأولى هي قطع خطوط التمويل والتسليح والتنفيذ التي تدخل من خارج الحدود.
ثم فتح حوار داخلي شفاف، يعيد تقريب الفرقاء، ويوحدهم في وجه أي تدخل خارجي.
أخيرًا: حماية المدنيين، توفير مساعدات إنسانية حقيقية، وتأمين عودة للمهجرين والسكان إلى بيوتهم وأرضهم.
ما يحصل اليوم في اليمن ليس صراعًا قبليًا عارضًا — إنه إجرام ممنهج بدعم قوة خارجية:
الإمارات.
وليس فقط تدخل عابر، بل تدخل يهدف إلى تغيير أرض وهوية ومستقبل هذا البلد.
اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات تجاه الفلسطينيين: تسهيل الأسلحة للاحتلال الإسرائيلي ضمن شبكة أوسع من التحالفات