لم تهدأ وتيرة القصف وإطلاق النار طوال ساعات الليل الطويل في قطاع غزة، في مشهد يعكس حجم الاستهتار الإسرائيلي بأي التزام سياسي أو إنساني. فعلى الرغم من دخول الاتفاق الأخير حيّز التنفيذ منذ الحادي عشر من الشهر الماضي، يواصل الاحتلال خرقه بشكل ممنهج عبر الغارات الجوية وإطلاق النار على المدنيين واستهداف المراكز السكنية والبنى التحتية. 

المشهد الليلي في غزة لم يحمل أي ملامح لوقف إطلاق النار، بل أعاد إنتاج اللحظة ذاتها: نيران كثيفة، تفجيرات متتابعة، وطائرات مسيرة تحوم فوق مخيمات النزوح.

استهداف الصيادين.. ضرب لقمة العيش قبل أي شيء

أطلقت قوات الاحتلال صباح السبت النار على الصيادين في عرض بحر غزة، في اعتداء جديد يهدف إلى خنق ما تبقى من سبل الرزق وفرض حصار مضاعف على مجتمع يحاول النجاة. الاستهداف المباشر للصيادين جزء من سياسة ثابتة، حيث يُمنع الصيادون من مزاولة عملهم أو يُجبرون على العودة تحت تهديد الرصاص لإبقاء البحر مغلقا أمامهم. القصد واضح: تجويع ممنهج وإفقار قسري.

قصف ونسف في خانيونس وغزة.. سياسة الأرض الفارغة

وفي شرق خانيونس وغرب غزة، تواصلت عمليات القصف ونسف المنازل بجرافات الاحتلال ودباباته التي كانت تطلق النار بكثافة لتغطية تقدمها. الهدف لم يعد قتالا وإنما تفريغ المناطق من سكانها وإزالة البيوت التي يمكن أن تشكل نواة لعودة الحياة. عمليات النسف تستعيد سيناريوهات التهجير الكبرى التي شهدها القطاع، حيث أحياء كاملة تحولت إلى ساحات خالية بلا بشر ولا مبانٍ.

شهداء وجرحى في كل مكان.. خروقات تتحول لسلسلة جرائم

واستشهد فلسطيني وأصيبت طفلة الجمعة برصاص جيش الاحتلال، تزامنا مع تجدد الغارات وعمليات إطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع. هذه الحوادث اليومية تكشف أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاق كغطاء شكلي بينما تستمر آلته العسكرية في العمل بأقصى طاقة. المدنيون يدفعون ثمن خروقات أصبحت جزءا يوميا من حياة القطاع.

رصاص على خيام النازحين.. رسالة واضحة بأن لا مكان آمنا

الطفلة التي أصيبت بجروح متوسطة إثر إطلاق نار كثيف من آليات إسرائيلية تجاه خيام النازحين في المواصي شمالي رفح، تمثل الصورة الأقسى لواقع غزة اليوم. استهداف الخيام يعني رسالة محددة: حتى الذين نزحوا إلى ما يسمى منطقة آمنة ليسوا في مأمن. كل خيمة معرضة للخرق وكل طفل معرض للرصاص وكل محاولة للعيش مجرد معركة مع الخطر.

مأساة إنسانية تتعمق.. حياة بلا ماء ولا غذاء ولا مأوى

الأسر التي فقدت بيوتها لا تجد سوى الركام، بينما ينتشر الجوع والمرض ويزداد شحّ المياه. المخيمات تتحول إلى مساحات مفتوحة للخطر بسبب الطائرات التي لا تغادر السماء والرصاص الذي يمكن أن يخترق أي حاجز. حياة الناس في القطاع أصبحت معلقة بين الخوف والجوع ومحاولات النجاة.

لغة الدبلوماسية لا توقف الجرافات

الاحتلال يستمر في تبرير جرائمه بحجج أمنية، بينما الواقع يقول إن ما يجري هو سياسة عقاب جماعي مقصودة. خرق وقف إطلاق النار ليس طارئا بل استراتيجية ثابتة تهدف لإبقاء غزة في حالة انهيار ومنع أي استقرار. كل منطقة آهلة تُعتبر “ساحة عمليات” وكل منزل تحول إلى “هدف محتمل”.

خلاصة المشهد.. اتفاق على الورق وإبادة على الأرض

المؤسسات الدولية تسجل بيانات، لكن القصف والرصاص والهدم يعملون بوتيرة تفوق قدرة أي استجابة إنسانية. القطاع يدخل مرحلة جديدة من التدمير الممنهج وتحويل المناطق السكنية إلى فراغات هندسية. ما يجري ليس مجرد خرق لوقف إطلاق النار، بل استمرار لإبادة صامتة تنفذها إسرائيل تحت غطاء اتفاقات شكلية.

غزة اليوم أمام واقع صارخ: الاحتلال لا يريد تهدئة ولا استقرارا، بل يريد قطاعا محطما وسكانا منهكين ووجودا فلسطينيا ضعيفا ومشتتا. وإذا لم تتغير معادلات القوة، سيبقى الاتفاق كلمة على الورق، بينما تبقى غزة وحدها في مواجهة آلة الحرب المفتوحة.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يواصل إجرامه في الفارعة وجنين.. وصمت عباس يفتح شهية العدوان