رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم ببنوده، بل واصل اعتداءاته العسكرية والإنسانية تحت مسميات مختلفة. ووفقًا لتصريحات مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، فإن إسرائيل ارتكبت 194 خرقًا خلال الأسابيع القليلة الماضية، شملت تجاوز الخطوط المرسومة، وعرقلة المساعدات، ومنع عمليات انتشال الجثامين، وحرمان النازحين من المأوى. هذه الانتهاكات تمثل امتدادًا لنهج الاحتلال في الالتفاف على الاتفاقات الدولية واستمرار سياسة العقاب الجماعي بحق المدنيين الفلسطينيين.

أولًا: تجاوز “الخط الأصفر”.. التوغل والقتل تحت ذريعة الأمن
أحد أبرز خروقات الاحتلال تمثل في تجاوز ما يُعرف بالخط الأصفر، وهو خط الانسحاب الأول المنصوص عليه في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار. وبحسب الثوابتة، نفذت قوات الاحتلال عمليات توغل متكررة داخل المناطق السكنية القريبة من هذا الخط، مصحوبة بإطلاق نار وقصف مدفعي وغارات جوية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين.
ويشير الثوابتة إلى أن الجيش الإسرائيلي استهدف فلسطينيين حاولوا تفقد منازلهم في تلك المناطق، ما أدى إلى وقوع “مجازر ميدانية”، في خرق واضح للاتفاق وللقانون الدولي الإنساني. كما حذر المواطنين من الاقتراب من تلك المناطق خشية استهدافهم، في تكرار لسياسة “القتل الغادر” التي استخدمها الاحتلال خلال الحرب السابقة.
هذا الخرق يوضح أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع الهدنة كمرحلة تكتيكية مؤقتة، تستخدمها لإعادة التموضع واستكمال عملياتها الميدانية دون إعلان رسمي للحرب.
ثانيًا: تعطيل المساعدات.. تجويع منظم وحصار مستمر
الجانب الإنساني من الاتفاق لم يسلم هو الآخر من الانتهاك. إذ منعت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية والأدوية والمستلزمات الطبية إلى القطاع، ورفضت فتح معبر رفح لإجلاء المرضى للعلاج في الخارج، رغم أن الاتفاق نص على تسهيل ذلك.
وتشير بيانات المكتب الإعلامي إلى أن فقط 3,203 شاحنات مساعدات دخلت القطاع منذ بدء الهدنة، من أصل 13,200 شاحنة يفترض دخولها بمعدل 600 شاحنة يوميًا، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 24%.
كما تواصل إسرائيل السيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح منذ مايو/أيار 2024 بعد أن دمرت مبانيه وأحرقت معداته، مما عمّق الأزمة الإنسانية.
وفي ظل غياب الأدوية والمعدات الطبية، تتفاقم الأوضاع الصحية في المستشفيات التي تعمل بأقل من نصف طاقتها، بينما يواجه آلاف المرضى خطر الموت بسبب الإغلاق المتعمد.
ويصف مراقبون هذه السياسة بأنها “حرب تجويع باردة” تهدف إلى إنهاك المجتمع الغزي اقتصاديًا ونفسيًا، بعد حرب إبادة مدمرة استمرت عامين.
ثالثًا: منع انتشال الجثامين.. جريمة مستمرة تحت الأنقاض
ينص الاتفاق على السماح بدخول آليات ثقيلة لانتشال جثامين الفلسطينيين من تحت أنقاض المنازل المدمرة، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بذلك سوى في حالات محدودة متعلقة بجثامين جنودها وأسرىها، وفق الإعلام العبري.
ويُقدّر المكتب الإعلامي الحكومي أن هناك نحو 9,500 مفقود فلسطيني، معظمهم يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض. ومع ذلك، لم تسمح إسرائيل بدخول سوى معدات محدودة، مما يعرقل جهود الدفاع المدني الفلسطيني في العثور على الضحايا.
هذا التمييز في السماح بالبحث عن جثامين الإسرائيليين دون الفلسطينيين يكشف ازدواجية المعايير الإنسانية التي تمارسها سلطات الاحتلال، ويؤكد أن هدفها ليس الالتزام ببنود الاتفاق بل طمس آثار جرائم الحرب.
وتأتي هذه الممارسات بالتوازي مع استمرار معاناة أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، يتعرضون للتعذيب والتجويع والإهمال الطبي، حيث قضى العديد منهم بسبب الظروف القاسية، وفق تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية على حد سواء.
رابعًا: نازحون بلا خيام.. المأساة الإنسانية المفتوحة
ينص البروتوكول الإنساني في اتفاق الهدنة على توفير أكثر من 300 ألف خيمة وبيت متنقل لإيواء العائلات النازحة، لكن الاحتلال رفض إدخالها رغم وجود أكثر من 288 ألف أسرة بلا مأوى.
وأوضحت معطيات المكتب الحكومي أن إسرائيل دمرت نحو 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع، ما يعادل خسائر أولية تقارب 70 مليار دولار.
ومع اقتراب فصل الشتاء، يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في العراء، دون مأوى أو تدفئة أو خدمات أساسية، في حين تواصل إسرائيل منع دخول أكثر من 6 آلاف شاحنة إغاثة متوقفة عند معبر رفح.
الثوابتة دعا في ختام تصريحاته الرئيس الأميركي دونالد ترامب –راعي الاتفاق– والوسطاء الإقليميين إلى التحرك العاجل لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق، ووقف خروقاتها التي تهدد بانهيار الهدنة والعودة إلى مربع الحرب.
خاتمة: هدنة هشة أمام آلة العدوان
تُظهر الوقائع الميدانية أن إسرائيل تتعامل مع اتفاق وقف النار في غزة بوصفه إطارًا شكليًا لا يلزمها بشيء، بينما تستمر في ارتكاب الانتهاكات المنظمة التي ترقى إلى جرائم حرب.
ومع كل خرق جديد، تتكشف نوايا الاحتلال في إطالة أمد المعاناة الإنسانية واستمرار سياسة العقاب الجماعي بحق أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت الحصار.
وفي غياب ضغط دولي حقيقي، يبدو أن “السلام” الذي وُعد به اتفاق العاشر من أكتوبر لن يكون سوى هدنة على ركام الجثامين، تثبت أن الاحتلال لا يعرف إلا لغة القوة والعدوان، حتى في زمن الهدوء المزعوم.
اقرأ أيضًا : أرقام مرعبة تكشف إجرام الاحتلال: أكثر من 68 ألف شهيد و350 ألف مريض محروم من الدواء في غزة