في مشهد يعيد إنتاج أبشع صور القمع الإسرائيلي، اقتحمت قوات الاحتلال صباح اليوم مدينة طوباس وبلدة عقابا شمال الضفة الغربية بعملية مركّبة تجمع بين الاقتحام البري والإنزال الجوي والحصار الكامل، في خطوة تؤكد أن سياسة التطهير والتهجير لم تعد مجرد اتهامات بل سلوكًا يوميًا ممنهجًا تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين.
العملية التي امتدت منذ ساعات الفجر لم تكن هدفها “اعتقال مطلوب” أو “تفكيك خلية”، كما تروّج ماكينة الاحتلال الدعائية، بل كانت عملية إرهاب منظم ضد المدنيين، استُخدمت فيها الأدوات العسكرية ذاتها التي تُستخدم عادة في ساحات الحرب المفتوحة.

■ إنزال جوي على مدينة محاصرة
بدأت العملية بإلقاء قوات إسرائيلية خاصة من الجو في مناطق زراعية محيطة بطوباس، قبل أن تنضم إليها وحدات راجلة مدعمة بآليات عسكرية وطائرات مسيّرة تجوب السماء. اختارت قوات الاحتلال مناطق الأحراش وسهل طوباس لإتمام الإنزال، بهدف محاصرة البلدة من جهات عدة، ومنع السكان من الحركة أو التواصل مع محيطهم.
هذه التكتيكات العسكرية التي تستخدمها إسرائيل بوتيرة متصاعدة في الضفة الغربية تعكس بوضوح انتقال الاحتلال من مرحلة “المداهمات المحدودة” إلى مرحلة “السيطرة بالإرهاب”، حيث يُراد للمدنيين أن يعيشوا تحت صدمة المروحيات والاقتحامات والحصار كحالة حياة يومية، لا كحدث عابر.
■ حصار كامل وتعطيل للمدارس والحياة المدنية
لم يقتصر إجرام الاحتلال على اقتحام الأحياء وتنفيذ إنزال جوي، بل توسّع ليشمل فرض إغلاق شامل على المدينة:
-
إغلاق الطرق بالسواتر الترابية.
-
نشر القناصة فوق البنايات العالية.
-
قطع الحركة بين طوباس والبلدات المجاورة.
-
إجبار عشرات العائلات على إخلاء منازلها بالقوة.
-
تعطيل المدارس والمؤسسات وتحويل التعليم إلى “عن بُعد” قسرًا.
بهذه الإجراءات، تتعطل الحياة تمامًا داخل المدينة، ويجد السكان أنفسهم محاصرين داخل دائرة الخوف والقلق، بينما يقتحم الجنود الأزقة وينشرون الرعب في البيوت.
■ لماذا طوباس؟ وما الهدف الحقيقي من العملية؟
قد تبدو طوباس مدينة صغيرة مقارنة بجنين أو نابلس، لكنها ذات أهمية استراتيجية للضفة الغربية. فهي تقع عند نقطة اتصال بين الأغوار والقرى الجبلية، وتمثل إحدى المساحات التي يحاول الاحتلال تغيير بنيتها السكانية تمهيدًا لضم مناطق واسعة نحو الأغوار.
العملية اليوم ليست معزولة. بل يمكن وضعها في سياق خطّة إسرائيلية أوسع تشمل:
-
تفريغ مناطق ريفية من سكانها عبر الضغط المتكرر والحصار الدائم.
-
خلق بيئة أمنية مشتعلة تُبرر للاحتلال بقاءه بحجة “محاربة الخلايا المسلحة”.
-
تكريس واقع جديد عنوانه: لا سيادة فلسطينية، ولا استقرار، ولا إمكانية لبناء مؤسسات أو حياة طبيعية.
-
ربط مدن الضفة ببعضها عبر بوابات عسكرية، ومنع أي تواصل جغرافي قد يشكل حالة مقاومة أو تماسك اجتماعي.
بهذه الطريقة، يتحول كل اقتحام إلى خطوة إضافية ضمن مخطط تهويد صامت يجري في الخلفية.
■ استخدام المنازل كقواعد عسكرية: جريمة مضاعفة
من أخطر ما حدث في العملية اليوم إجبار عائلات على إخلاء منازلها في بعض الأحياء، ثم تحويل تلك المنازل إلى نقاط تمركز للجنود. هذا السلوك، الذي يتكرر في مدن الضفة منذ سنوات، يمثل جريمة مزدوجة:
-
تهجير قسري.
-
تحويل المنازل المدنية إلى منشآت عسكرية.
وهو أسلوب هدفه الأساسي زرع الرعب، وتحويل البيت الفلسطيني من “مساحة أمان” إلى “ساحة محتلة”.
■ المقاومة الشعبية في مواجهة آلة الاحتلال
ورغم الخوف والحصار، أظهرت طوباس اليوم صورة جديدة من الصمود. خرج السكان، خاصة الشباب، للتصدي لقوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة، في محاولة لعرقلة تقدمها ومنعها من التوغل داخل الأحياء. ورغم محدودية الإمكانيات، تُثبت هذه التحركات أن روح المقاومة في الضفة لا تزال عصيّة على الإخماد.
لكن الاحتلال يعي هذا جيدًا، ولذلك يعتمد استراتيجية الاستنزاف المستمرة: اقتحامات، حصار، اعتقالات، إغلاق طرق، قصف بالطائرات المسيّرة، ثم انسحاب مؤقت، يعقبه اقتحام جديد. الهدف هو إنهاك المجتمع نفسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
■ تداعيات العملية على الضفة الغربية
الهجوم على طوباس ليس “حادثًا منفردًا”، بل مؤشر على ثلاثة تحولات خطيرة:
-
توسّع ساحة الحرب من غزة إلى الضفة في محاولة لفرض واقع جديد قبل أي اتفاق سياسي قادم.
-
تجريب الاحتلال لأساليب مواجهة جديدة تشمل الإنزال الجوي واستخدام الطائرات المسيّرة على نطاق واسع.
-
تعميق سياسة التهجير البطيء عبر خلق حياة يومية غير قابلة للعيش.
إسرائيل تدرك أن الضفة الغربية هي الحاضنة الاجتماعية الأهم للمقاومة، ولذلك تسعى لإعادة رسم المشهد بالكامل.
■ خلاصة: عملية كاشفة لجوهر الاحتلال
ما جرى في طوباس اليوم ليس “عملية أمنية” كما يزعم الاحتلال، بل جولة جديدة من جولات القمع المنهجي الذي يستهدف تفريغ الضفة من سكانها، وتحويل مدنها إلى كانتونات محاصرة، وفرض واقع من الخوف يكسر إرادة الناس.
الاحتلال لا يحارب مسلحين فقط… بل يحارب حياة كاملة: المدارس، البيوت، الطرق، المزارع، الأطفال، والذاكرة الجمعية للفلسطينيين.
وبينما تتوالى الاقتحامات، تتضح الرسالة الإسرائيلية أكثر فأكثر:
ليس المطلوب السيطرة على الأرض فقط… بل السيطرة على كل شيء فوقها وتحتها، بما في ذلك البشر، وحقهم في الحياة.
اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات وتدخلها في اليمن: اشتباكات قبلية وتشكيلات مدعومة بيد أبوظبي تذبح اليمن داخليًا