تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها الميداني في الضفة الغربية المحتلة، عبر ممارسات تجمع بين العنف المباشر والإذلال المتعمد للمدنيين، في مشهد بات يوميًا وممنهجًا. فبين دهس متعمد لمركبة فلسطيني في طولكرم، وتنكيل صادم بمسن مبتور القدم في مسافر يطا جنوب الخليل، تتكشف صورة سياسة قائمة على ترهيب السكان وكسر إرادتهم، دون أي مساءلة أو رادع دولي.

دهس على شارع مدني في طولكرم
في وقت متأخر من مساء الأحد، أُصيب الفلسطيني فادي مروح بعد أن صدمت آلية عسكرية إسرائيلية مركبته أثناء مروره في شارع جامعة القدس المفتوحة بمدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية. وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا بأن الاصطدام أسفر عن إصابات استدعت نقله عبر إسعاف جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مستشفى الشهيد ثابت ثابت الحكومي، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بالمركبة.
الحادثة وقعت في شارع مدني حيوي، ما يثير تساؤلات حول قواعد الاشتباك التي تعتمدها قوات الاحتلال داخل المدن الفلسطينية. فبدلًا من إجراءات أمنية محددة، يتكرر استخدام الآليات العسكرية كأدوات قمع، بما يحول الطرق العامة إلى ساحات خطر دائم على المدنيين.
فيديو تنكيل يهز الضمير
في مشهد أكثر قسوة، بثّت إذاعة صوت فلسطين مقطع فيديو يُظهر اعتداء جنود إسرائيليين على المسن الفلسطيني سعيد العمور (61 عامًا) من قرية الركيز بمسافر يطا جنوب الخليل. ويظهر العمور، وهو مبتور القدم ويستعين بعكازتين، وقد أُسقط أرضًا وتعرض للركل، فيما صوب أحد الجنود سلاحه نحوه في وضعية تهديد مباشر.
الواقعة ليست معزولة؛ فالعمور سبق أن أُصيب عدة مرات في اعتداءات نفذها مستوطنون، أبرزها إصابته برصاص أدى إلى بتر إحدى قدميه في أبريل الماضي. ورغم حالته الصحية، لم يشفع له عجزه أمام سلوك الجنود، ما يعكس عقلية عقاب جماعي لا تميز بين طفل ومسن.
مسافر يطا… ساحة اختبار للقمع
تأتي حادثة مسافر يطا ضمن سياق أوسع من الاعتداءات المتصاعدة في التجمعات الفلسطينية المصنفة «مناطق إطلاق نار»، حيث تُستخدم القوة المفرطة لتكريس واقع التهجير القسري. فالتنكيل بالمسنين وذوي الإعاقة يبعث برسالة واضحة للسكان: البقاء مكلف، والمغادرة أقل إيلامًا—وهو منطق طالما حذرت منه منظمات حقوقية باعتباره أداة تفريغ ديمغرافي.
إعادة انتشار عسكري وتصعيد مقصود
على صعيد موازٍ، نقلت القناة 7 الإسرائيلية عن مصادر أن الجيش بدأ مؤخرًا تغيير شكل انتشاره شمالي الضفة، وإعادة مقر لواء منشيه إلى المنطقة. هذه الخطوة تشير إلى نية واضحة لتعزيز القبضة العسكرية، لا سيما في محيط طولكرم وجنين، حيث تشهد المنطقة عمليات اقتحام متكررة واعتقالات جماعية.
إعادة الانتشار لا تبدو إجراءً مؤقتًا، بل جزءًا من خطة أوسع لتطبيع الوجود العسكري داخل المدن الفلسطينية، وتحويلها إلى نقاط تماس دائمة، بما يفاقم الاحتكاك ويرفع احتمالات الانتهاكات بحق المدنيين.
سياسة إفلات من العقاب
تكرار حوادث الدهس والاعتداء المصوّر يسلط الضوء على غياب المساءلة. فحتى عندما تتوافر أدلة مرئية، غالبًا ما تُغلق الملفات أو تُبرر الأفعال بدواعٍ «أمنية». هذا الإفلات يغذي سلوكًا عدوانيًا لدى الجنود والمستوطنين على حد سواء، ويحوّل الانتهاكات إلى نمط يومي.
أبعاد إنسانية وقانونية
من منظور القانون الدولي الإنساني، يُعد استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر في مناطق مأهولة انتهاكًا جسيمًا. كما أن الاعتداء على أشخاص ذوي إعاقة يُصنف كجريمة مضاعفة الخطورة، لما ينطوي عليه من إذلال واستغلال للضعف. ورغم ذلك، تستمر هذه الممارسات في ظل صمت دولي يرقى إلى التواطؤ.
الخلاصة
ما جرى في طولكرم والخليل ليس حادثتين منفصلتين، بل فصلين من سياسة واحدة: استخدام القوة لإخضاع مجتمع بأكمله. دهس مركبة على شارع مدني، وتنكيل بمسن مبتور القدم أمام الكاميرا، يعكسان إجرام الاحتلال حين يتحول الأمن إلى ذريعة للعقاب، والهيمنة إلى غاية بحد ذاتها. وفي ظل تصعيد الانتشار العسكري، يبدو أن الضفة الغربية مقبلة على مزيد من العنف، ما لم يُكسر جدار الصمت وتُفرض المحاسبة.
اقرأ أيضًا : الإمارات تقف وراء المؤامرة.. رفض أوروبي لاعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» وعباس يحذّر من مخطط تهجير