في مشهد يعكس وحشية غير مسبوقة وغطرسة عسكرية منفلتة من أي ضوابط قانونية أو إنسانية، صعّد الاحتلال الإسرائيلي من هجماته على قطاع غزة، مستهدفًا خانيونس بشكل خاص، بالتزامن مع عمليات قصف ونسف مكثّفة في شمالي وجنوبي القطاع. هذا التصعيد الوحشي يأتي في وقت يعيش فيه أهالي غزة أسوأ كارثة إنسانية في تاريخ الصراع، وسط انهيار كامل للبنية الصحية، وانعدام الخدمات الأساسية، واستمرار سياسة التجويع والتهجير القسري.
الهجمات الجديدة، التي ترافقت مع تقدّم بري محدود وتحليق كثيف للطائرات المسيّرة، تعكس بوضوح أن الاحتلال لا يسعى لأي مكاسب عسكرية بقدر ما يسعى لفرض إرهاب شامل على المدنيين لإجبارهم على الاستسلام أو النزوح، في تكرار فجّ لسياسة “الأرض المحروقة” التي تتبعها إسرائيل منذ بداية عدوانها.

خانيونس تحت النار: مدينة تُسحق بلا رحمة
تعرّضت خانيونس في الساعات الأخيرة لسلسلة من الهجمات المركّزة، شملت قصفًا بالمدفعية الثقيلة والغارات الجوية وعمليات الاستهداف المباشر للمنازل والطرقات. المدينة، التي أصبحت مركزًا لاجتماع آلاف النازحين من شمال غزة، تحوّلت إلى مسرح مفتوح للقتل الجماعي مع انعدام أي ملاذ آمن.
القصف استهدف مناطق مأهولة بالسكان، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الشهداء والجرحى، بينهم نساء وأطفال، في ظل عجز كامل للمستشفيات المتهالكة التي لم تعد قادرة على استقبال المزيد من الضحايا. ومع كل موجة قصف، تتوالى مشاهد الركام، أجساد ممزقة، وعائلات تُنتشل من تحت الأنقاض.
الهجمة على خانيونس ليست معزولة؛ بل هي جزء من خطة انتقامية واضحة تهدف إلى شل الحياة المدنية بالكامل، وقطع الطريق على أي محاولة لإعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني لنفسه خلال الحرب.
شمال وغرب غزة… النسف سلاح الاحتلال لتغيير الجغرافيا والسكان
يتزامن ما يجري في خانيونس مع عمليات نسف متواصلة في شمال ووسط القطاع، حيث تقوم قوات الاحتلال بتفجير منازل وأبنية كاملة، ليس لدواعٍ عسكرية كما تدّعي، بل في إطار محاولة واضحة لتغيير معالم المنطقة وإجبار السكان على النزوح نحو الجنوب، ثم حصارهم في مساحة محدودة لضمان السيطرة الكاملة على القطاع.
عمليات النسف الواسعة، التي تستهدف غالبًا منازل ليس لها صلة بالقتال، تعكس حالة انتقامية بحتة، وتؤكد أن الاحتلال يمارس سياسة العقاب الجماعي بشكل منهجي. فالقوات الإسرائيلية لا تسعى لإضعاف المقاومة فقط، بل تسعى لاقتلاع المجتمع الفلسطيني من جذوره.
جرائم حرب موثّقة… والاحتلال يتحدى العالم
المشاهد القادمة من غزة تثبت أن الاحتلال يرتكب جرائم حرب مكتملة الأركان:
- استهداف المدنيين بشكل مباشر.
-
تدمير البنى التحتية الحيوية.
منع وصول الإغاثة والدواء.
- تهجير السكان قسريًا.
-
قصف المنازل دون إنذار.
رغم هذا، لا يزال الاحتلال يتصرف بثقة كاملة، مستندًا إلى دعم بعض القوى الدولية وصمت أطراف عربية ودولية لا تريد الدخول في مواجهة سياسية أو أخلاقية معه. هذا الصمت يشجع إسرائيل على التمادي في جرائمها، ويجعل المدنيين في غزة يدفعون الثمن الأكبر.
ماذا يريد الاحتلال؟… استراتيجية القتل البطيء وكسر الإرادة
من خلال متابعة نمط القصف واتساع رقعته الجغرافية، يتبين أن هدف الاحتلال الحقيقي ليس القضاء على المقاومة كما يدّعي، بل كسر الإرادة الشعبية الفلسطينية وإضعاف المجتمع حتى درجة الانهيار.
الاحتلال يعتمد على سياسة مركّبة تشمل:
- القصف المستمر والمتصاعد.
- الحصار الغذائي والدوائي.
- التهجير القسري.
- الصدمة والترويع عبر مجازر متواصلة.
هذه الأهداف تكشف عن مشروع تطهير عرقي طويل الأمد، وليس مجرد عملية عسكرية مؤقتة.
الخلاصة… غزة تواجه إجرامًا غير مسبوق
ما يجري في خانيونس وشمال غزة وجنوبها ليس مجرد تصعيد عسكري، بل عملية إبادة بطيئة تنفذها آلة الاحتلال بلا رادع. المدنيون هم الضحايا الحقيقيون، والمدينة أصبحت تحت حصار الموت اليومي.
رغم ذلك، لا تزال غزة — بأهلها وفصائلها ومجتمعها — تقاوم وتحاول النجاة، في مواجهة جيش يمتلك كل أدوات القتل والدعم السياسي، لكنه عاجز عن كسر الإرادة الفلسطينية الممتدة منذ عقود.
اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيّد يشتدّ.. حصار منزل نجيب الشابي يكشف مرحلة جديدة من هندسة الاستبداد في تونس