في مشهد يعيد رسم خارطة القمع في تونس، أعلن المعارض البارز ورئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، أنّ قوات الأمن حاصرت منزله فور صدور حكم بالسجن 12 عامًا ضده في ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”. وبينما يصف الشابي ما يجري بأنه “اغتيال سياسي مُكتمل الأركان”، يرى مراقبون أن الحادثة ليست مجرد إجراء قضائي، بل جزء من استراتيجية أوسع لترسيخ حكم فردي يلتهم ما بقي من الحياة السياسية في تونس.
هذا التطور لم يكن مفاجئًا تمامًا، لكنه جاء ليؤكد أن قيس سعيّد يسير بخطوات أسرع نحو تجريم المعارضة وتجفيف منابع العمل السياسي، مستخدمًا القضاء كأداة مباشرة في يد السلطة.
![]()
محاكمة سياسية بامتياز.. وأحكام جاهزة
قضية “التآمر على أمن الدولة” التي تُستخدم اليوم كسيف مسلط على رقاب المعارضين بدأت قبل سنوات، حين اعتُقل عشرات الشخصيات السياسية والإعلامية والحقوقية باتهامات وُصفت على نطاق واسع بأنها “فضفاضة” و”مفبركة”. ومع مرور الوقت، تحولت التحقيقات إلى محاكمات جماعية تصدر فيها الأحكام بشكل متتالٍ يشبه “العقاب المسبق” أكثر مما يشبه ممارسة العدالة.
الأحكام الأخيرة جاءت لتؤكد هذا الاتجاه: سنوات سجنية ثقيلة صدرت ضد قيادات سياسية بارزة، بينها جوهر بن مبارك، عصام الشابي، وغازي الشواشي، بينما خُفّض حكم نجيب الشابي إلى 12 سنة بعد أن كان أعلى من ذلك.
الإجراءات في كامل مراحل القضية اتسمت بطابع استثنائي: محاكمات عن بُعد، عدم حضور المتهمين الفعلي، غياب الشفافية، وتجاهل دفوعات هيئات الدفاع. كل ذلك يُظهر بوضوح أن الهدف سياسي لا قضائي.
لماذا نجيب الشابي؟
نجيب الشابي، الذي يعدّ من الشخصيات التاريخية في المعارضة التونسية منذ عهد بن علي، بات اليوم في قلب المواجهة مع قيس سعيّد. ليس فقط لأنه رئيس جبهة الخلاص، بل لأنه الصوت الأكثر صراحة في مواجهة مشروع الرئيس منذ 25 يوليو 2021، حين أطاح سعيّد بالبرلمان وبدأ في إعادة تشكيل الدولة وفق رؤية مركزية فردية.
الشابي كان من أوائل الأصوات التي وصفت ما يجري بأنه “انقلاب دستوري”، وظلّ يحرّك الجبهة في الشارع والسياسة والإعلام. لذلك، فإن استهدافه يحمل دلالتين:
-
إسكات رأس المعارضة: ضرب الشخصية الأبرز يعطي رسالة لبقية الأطراف السياسية بأن الدور قادم.
-
القضاء على أي أمل في تشكيل بديل سياسي: فالجبهة كانت تُعَدّ آخر محاولة جدية لتجميع المعارضة بمختلف أطيافها بما يشبه “كتلة سياسية مضادة”.
حين قال الشابي إن القضاة “موظفون لدى السلطة”، لم يكن يطلق توصيفًا عابرًا. بل كان يشير إلى واقع تشكّل تدريجيًا منذ أن قام سعيّد بحلّ المجلس الأعلى للقضاء وتعيين مجلس بديل يواليه مباشرة.
حصار المنزل.. لحظة كاشفة
صورة منزل أحد أبرز المعارضين تُحاصره قوات الأمن ليست مجرد حادثة فردية. إنها لحظة تختصر تحول تونس من دولة كانت تُقدَّم نموذجًا ديمقراطيًا، إلى دولة يجري فيها اعتقال السياسيين على الهواء وتطويق منازلهم بعد صدور أحكام مسيّسة.
ما قاله الشابي عن أن القوة الأمنية تنتظر أمرًا بالاعتقال ليس مجرد خوف ذاتي، بل تجسيد لمشهد بات مألوفًا: قوات تقتحم منازل معارضين في ساعات الفجر، محامين يُعتقلون بسبب تصريحات إعلامية، ونشطاء يُحاكمون على منشورات فيسبوك.
قيس سعيّد: إعادة تشكيل الدولة بالقوة
منذ إجراءات 25 يوليو، اتخذ سعيّد مسارًا تصاعديًا في إدارة البلاد:
-
حلّ البرلمان واستبداله بمجلس بلا صلاحيات.
-
إعادة كتابة دستور جديد منح الرئيس سلطات شبه مطلقة.
-
تعيين مجلس قضاء موالٍ والتحكم في النيابة العمومية.
-
ملاحقة خصومه السياسيين باتهامات جاهزة: التآمر، الإرهاب، الفساد، والتلاعب بالأمن القومي.
هكذا تحوّل القضاء من سلطة إلى “أداة”، وتحولت الدولة إلى منظومة تمسك فيها الرئاسة بكل الخيوط.
البعد الاستراتيجي: ضرب السياسة من جذورها
استهداف جبهة الخلاص ليس مجرد استهداف حزب معارض، بل استهداف آخر تجمّع سياسي قادر على تحريك شارع أو إزعاج السلطة.
القضية ليست في الأشخاص، بل في “تفريغ” المجال السياسي بالكامل.
ما يحدث الآن يشبه — في نظر كثيرين — “مشروع هندسة سياسية جديدة”، هدفه:
-
إلغاء الوسائط السياسية (أحزاب، نقابات، منظمات مجتمع مدني).
-
منع أي صيغة تنظيمية للمعارضة.
-
فرض نموذج حكم فردي لا يسمح بالمنافسة.
هذا النهج يفتح الباب لمرحلة طويلة من الحكم بلا رقابة، وبلا مربع للنقاش العام.
هل هناك ضوء في آخر النفق؟
رغم قتامة المشهد، يعتقد الشابي وآخرون أن الأوضاع ليست نهائية.
هناك عاملان قد يغيران المعادلة مستقبلاً:
-
الضغط الشعبي الذي بدأ يتصاعد بسبب الانهيار الاقتصادي الحاد، وهو ما قد يعيد الشارع إلى الواجهة.
-
عودة الروح إلى المعارضة المدنية، خصوصًا الشباب الذي يشعر بأن الدولة تنزلق نحو استبداد كامل.
لكن في المقابل، تُظهر السلطة استعدادًا كاملًا للمضي في نهج القمع بلا تردّد، وهو ما يجعل الصدام السياسي والاجتماعي احتمالًا قائمًا بقوة.
خلاصة: تونس تُدار بالقبضة الحديدية
ما حدث مع نجيب الشابي ليس حادثة منفصلة، بل حلقة في سلسلة ممتدة من قمع قيس سعيّد لكل صوت مخالف.
الأحكام القضائية، حصار المنازل، الاعتقالات الليلية، كلها أدوات تُستخدم اليوم في مشروع سياسي يقوم على السيطرة المطلقة، وهدم أي فرصة لعودة الديمقراطية.
تونس التي حلمت بانتقال ديمقراطي أصبحت اليوم بلدًا يُحاصَر فيه زعيم المعارضة في منزله، وتُحاكم قياداته بتهم سياسية، وتُدار شؤونها بسلطة فردية مطلقة.
وهذا — تحديدًا — هو أكبر دليل على أن قمع قيس سعيّد لم يعد مجرد اتهام سياسي.. بل حقيقة تُرى بالعين المجرّدة.
اقرأ أيضًا : السيسي جعل مصر على حافة الإفلاس — تحليل لخطاب «تحالف المدينيين» وإعلان تدشين «نادٍ المقتربين»