واصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمه بحق المدنيين في قطاع غزة، حيث استُشهد فلسطينيان بنيران قواته قرب ما يُعرف بالخط الأصفر في حي الشجاعية شرقي القطاع، في مشهد يعكس استمرار سياسة القتل الميداني والاستهداف المباشر للسكان. وبالتزامن مع ذلك، تعرضت مناطق شرق مدينة خان يونس لقصف مدفعي مكثف وإطلاق نار من مروحيات حربية، ما تسبب بحالة من الذعر بين الأهالي، وأعاد مشاهد الحرب المفتوحة رغم الحديث عن ترتيبات تهدئة وانسحابات جزئية.
هذه التطورات الميدانية تؤكد أن الاحتلال لم يغيّر من سلوكه العدواني، وأن ما يجري على الأرض يتناقض كليًا مع الروايات الرسمية الإسرائيلية التي تتحدث عن تقليص العمليات أو إعادة الانتشار. فالاستهداف في الشجاعية وخان يونس يأتي ضمن نمط متكرر من إطلاق النار والقصف في المناطق الشرقية، التي تحولت إلى ساحات قتل مفتوحة تحت ذريعة “الأمن” و“التمشيط”.
روايات أمنية متناقضة واعتقالات غامضة
في سياق متصل، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية رسمية اعتقال ثلاثة فلسطينيين من قطاع غزة في بلدة رهط البدوية جنوب إسرائيل، زاعمة أنهم كانوا مختبئين منذ اجتيازهم الحدود خلال هجوم السابع من أكتوبر 2023. غير أن هذه الرواية جاءت خالية من أي تفاصيل حول ظروف اعتقالهم، أو وضعهم القانوني، أو مصيرهم، ما يفتح الباب أمام مخاوف جدية من تعرضهم للاحتجاز التعسفي أو الانتهاكات، في ظل سجل طويل من الممارسات القمعية بحق المعتقلين الفلسطينيين.
بالتوازي، تحدثت مصادر أمنية إسرائيلية عن انتهاء شبه كامل لعمليات “التمشيط” خلف الخط الأصفر، مدعية نزع السلاح في أكثر من نصف المساحة الخاضعة لسيطرة الجيش داخل قطاع غزة. إلا أن استمرار القصف وإطلاق النار في هذه المناطق يفضح زيف هذه الادعاءات، ويشير إلى أن الحديث عن “التمشيط” و“نزع السلاح” ليس سوى غطاء لمواصلة السيطرة بالقوة واستهداف المدنيين، دون أي اعتبار للقانون الدولي أو لحياة السكان.
انهيار صحي وحصار يقتل بصمت
على الصعيد الإنساني، تتفاقم الكارثة الصحية في قطاع غزة بوتيرة خطيرة. فقد أعلن مستشفى الكويت التخصصي الميداني في مواصي خان يونس إيقاف جميع العمليات الجراحية المجدولة والطارئة، بسبب العجز الحاد في المستلزمات الطبية الأساسية. هذا القرار، الذي وصفته إدارة المستشفى بالمؤلم، يعكس حجم الانهيار الذي يضرب المنظومة الصحية، حيث تتكدس مئات الحالات على قوائم الانتظار، ويُحرم آلاف المرضى والجرحى من حقهم في العلاج.
وحذرت إدارة المستشفى من خروجه الكامل عن الخدمة في حال استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الأدوية والمعدات الطبية، ما يعني عمليًا الحكم بالإعدام البطيء على آلاف المصابين. هذا الواقع لا ينفصل عن سياسة الحصار الممنهج، التي يستخدمها الاحتلال كسلاح إضافي، إلى جانب القصف والرصاص، لتجويع السكان وتجفيف مقومات الحياة.
خروقات مستمرة وتهدئة شكلية
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، انسحب الجيش الإسرائيلي جزئيًا إلى مواقع تمركز جديدة داخل القطاع عُرفت بالخط الأصفر. إلا أن هذا الانسحاب لم يترجم إلى تهدئة حقيقية على الأرض، بل رافقته خروقات يومية واستهداف مباشر للفلسطينيين في محيط تلك المناطق، ما أسفر عن سقوط نحو 400 شهيد منذ بدء سريان الاتفاق، وفق مصادر رسمية في غزة.
هذا السلوك يعكس استخفاف الاحتلال بأي التزامات، ويؤكد أن ما يسمى بالتهدئة لم يكن سوى أداة لإعادة التموضع، وليس خطوة نحو وقف العدوان. فالقصف المستمر وإطلاق النار المتكرر ينسف أي حديث عن احترام الاتفاقات، ويكشف أن منطق القوة لا يزال هو الحاكم الوحيد لسلوك الاحتلال.
حرب إبادة وحصيلة كارثية
على مدار عامين من حرب الإبادة الجماعية، دفع قطاع غزة ثمنًا فادحًا من دماء أبنائه وبنيته التحتية. فقد أسفرت الحرب عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 171 ألفًا، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنى التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. هذه الأرقام لا تعكس مجرد أضرار جانبية، بل تشير إلى سياسة ممنهجة تستهدف الإنسان والمكان معًا.
في المحصلة، فإن ما يجري في الشجاعية وخان يونس هو صورة مكثفة لإجرام الاحتلال المتواصل في غزة، حيث تتداخل عمليات القتل الميداني مع الحصار والتجويع وانهيار الخدمات الأساسية. وفي ظل صمت دولي وعجز واضح عن فرض المحاسبة، يبقى المدني الفلسطيني الضحية الدائمة لعدوان لا يتوقف، وجريمة تُرتكب يوميًا على مرأى العالم.
اقرأ أيضًا : ألبانيزي: إجرام السيسي يُموّل إبادة غزة عبر صفقة الغاز