في مشهد يعكس هشاشة أي اتفاق لا تحميه إرادة سياسية حقيقية، واصل الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، خروقاته المتصاعدة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر قصف مدفعي وتوغلات محدودة في عدة مناطق، بالتزامن مع استمرار عمليات انتشال الشهداء من تحت الأنقاض، في وقت يلف الغياب شبه التام لدور الوسطاء المشهد، رغم فداحة الانتهاكات واتساع الكارثة الإنسانية.

قصف وتوغلات تكشف زيف الهدنة

شهدت مناطق متفرقة من قطاع غزة، الأربعاء، تصعيدًا ميدانيًا جديدًا تمثل في قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف، إلى جانب توغلات محدودة للآليات العسكرية الإسرائيلية، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ففي جنوب القطاع، أفاد شهود عيان بقصف مدفعي إسرائيلي استهدف جنوب شرقي مدينة خان يونس، ترافق مع إطلاق نار من الآليات العسكرية، فيما طال القصف أيضًا المناطق القريبة من محور موراج شمالي مدينة رفح، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريو “التصعيد المتدرج” الذي دأب الاحتلال على استخدامه لتفريغ الاتفاقات من مضمونها.

أما وسط القطاع، فقد توغلت آليات عسكرية إسرائيلية بشكل محدود شمال شرقي مدينة دير البلح، يرافقها جرافة عسكرية نفذت أعمال تجريف في الأراضي، وسط إطلاق نار مكثف، ما يعكس نية مبيتة لفرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء “الخروقات المحدودة”. وفي شمال القطاع، قصفت المدفعية الإسرائيلية مناطق شرق مخيم جباليا، بالتزامن مع إطلاق نار من الآليات الإسرائيلية شرقي مدينة غزة.

أرقام صادمة لانتهاكات ما بعد الاتفاق

ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ارتكب جيش الاحتلال، بحسب بيان لحركة “حماس”، 813 خرقًا في قطاع غزة، شملت القصف وإطلاق النيران وعمليات النسف، وأسفرت منذ 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن استشهاد 400 فلسطيني، 95 بالمئة منهم مدنيون. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الانتهاكات، بل تكشف أيضًا عن خلل بنيوي في آليات الرقابة والضمانات المفترضة لأي هدنة، في ظل غياب أي ردع حقيقي للاحتلال.

انتشال الشهداء… الموت لا يتوقف

بالتوازي مع التصعيد العسكري، تواصلت عمليات انتشال الشهداء والضحايا من تحت أنقاض المنازل المدمرة، في مشهد يختصر مأساة غزة الممتدة منذ أكثر من عامين. فقد أعلنت طواقم الدفاع المدني، الأربعاء، انتشال ستة فلسطينيين بينهم طفلان، بعد انهيار سقف منزل عليهم في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، بفعل الأمطار الغزيرة المصاحبة للمنخفض الجوي الذي يضرب القطاع.

وأوضح الدفاع المدني أن المنزل مكوّن من ثلاثة طوابق، وأن الانهيار طال السقف العلوي فقط، مشيرًا إلى أن الضحايا جرى إنقاذهم بحالة صحية جيدة، إلا أن الحادثة تعكس الخطر الداهم الذي يهدد آلاف العائلات التي اضطرت للسكن في مبانٍ متضررة بفعل القصف الإسرائيلي، لعدم توفر بدائل إيواء.

منخفضات جوية تكشف عمق الكارثة الإنسانية

يضرب قطاع غزة منذ مساء الاثنين منخفض جوي هو الثاني خلال أقل من أسبوع، ما فاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلًا. فقد أدى المنخفض الأول، الذي حمل اسم “بيرون”، إلى استشهاد 14 فلسطينيًا، وتضرر أو غرق نحو 53 ألف خيمة بشكل كلي أو جزئي، وفق معطيات رسمية، فضلًا عن انهيار 13 مبنى على الأقل فوق رؤوس ساكنيها، بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.

كما أعلنت وزارة الصحة عن استشهاد رضيع جراء البرد الشديد، فيما سُجلت إصابات وفقدان أشخاص جراء انهيار مبانٍ متضررة بفعل العواصف والأمطار. وأكدت المديرية العامة للدفاع المدني تسجيل مئات المنازل المصنفة “خطرة وغير صالحة للسكن”، واتخاذ قرار بالإزالة الفورية لثلاثة منازل في منطقتي النفق والزيتون شرقي مدينة غزة، بعد إخلاء سكانها.

صمت الوسطاء… شراكة غير معلنة؟

وسط هذا المشهد القاتم، يبرز الغياب الفاضح لدور الوسطاء الدوليين والإقليميين، الذين اكتفوا ببيانات عامة لا تتجاوز حدود “القلق”، دون أي خطوات عملية لإلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته، وعلى رأسها البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال مواد الإيواء، و300 ألف خيمة وبيت متنقل، وهي تعهدات لم تُنفذ حتى الآن، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

هذا الصمت يثير تساؤلات جدية حول جدوى الوساطات، وحدود الضغط الحقيقي على الاحتلال، بل ويعيد طرح فرضية أن غياب الردع والمحاسبة بات يشكل غطاءً ضمنيًا لاستمرار الإجرام.

حصيلة إبادة مستمرة

ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بدعم أمريكي مباشر، خلّفت الحرب أكثر من 70 ألف شهيد وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى دمار طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية. وفي ظل خرق الهدنة وغياب الوسطاء، تبدو غزة عالقة بين نار الاحتلال وبرد الخيام، في مأساة مفتوحة بلا أفق قريب للانفراج.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتخفّى بالعمل الإنساني: إسرائيلي يحتال بمعاناة أطفال السرطان على متبرعين حول العالم