كشف تحقيق استقصائي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن واحدة من أبشع صور استغلال المعاناة الإنسانية، بعد تورط شبكة منظمة عابرة للحدود في الاحتيال على متبرعين حول العالم، عبر المتاجرة بآلام أطفال مصابين بالسرطان وتحويل مأساتهم إلى أداة لجمع الأموال.

التحقيق أظهر أن هذه الشبكة استخدمت واجهة “العمل الإنساني” لتمرير عمليات احتيال ممنهجة، دون أن تصل التبرعات إلى الأطفال المرضى أو عائلاتهم، في مشهد يعكس إجراما أخلاقيا وإنسانيا مكتمل الأركان.

فيديوهات مفبركة ورسائل عاطفية لاستدرار التعاطف

اعتمدت الشبكة على إنتاج مقاطع فيديو عاطفية شديدة التأثير، تُظهر أطفالا برؤوس حليقة داخل غرف المستشفيات، مصحوبة برسائل قصيرة باللغة الإنجليزية توحي بأن حياة الطفل على المحك.

هذه المقاطع نُشرت على منصات التمويل الجماعي وموقع “يوتيوب”، مع أرقام تبرعات مرتفعة توحي بوجود سباق مع الزمن لإنقاذ حياة طفل، بينما كانت تلك المشاهد – بحسب التحقيق – مُعدّة بعناية لخداع المتبرعين.

عائلات من ثلاث قارات… والأموال تختفي

وثق التحقيق شهادات 15 عائلة في دول مختلفة، من بينها الفلبين وكولومبيا وأوكرانيا، أكدت أنها لم تتلق سوى مبالغ رمزية أو لم تحصل على أي دعم مالي على الإطلاق.

تسع عائلات أفادت بأن الحملات التي استخدمت صور أطفالها جمعت وحدها ما يقارب أربعة ملايين دولار، دون أن يصلها أي جزء منها، ما يكشف عن نمط احتيالي منظم لا يمكن تفسيره بأخطاء إدارية أو سوء إدارة.

قصة الطفل خليل… مأساة مضاعفة

سلّط التحقيق الضوء على حالة الطفل الفلبيني خليل، الذي خضع لساعات طويلة من التصوير داخل المستشفى، حيث طُلب من عائلته تمثيل مشاهد مؤلمة لاستدرار تعاطف الجمهور.

ورغم أن حملة التبرعات التي استخدمت اسمه أظهرت جمع عشرات الآلاف من الدولارات، فإن والدته أكدت أنها لم تحصل سوى على أجر “يوم تصوير”، قبل أن يتوفى خليل لاحقا دون أن يستفيد من أي دعم علاجي حقيقي، في مأساة تختصر حجم الاستغلال الذي مارسته الشبكة.

منظمات واجهة وشخصية إسرائيلية محورية

كشف التحقيق أن الحملات كانت تُدار تحت أسماء منظمات خيرية مسجلة في أكثر من دولة، أبرزها كيان يحمل اسم “تشانس لتيكفا”، إلى جانب منظمات أخرى مرتبطة بها.

وتوصلت بي بي سي، عبر تتبع سجلات التسجيل والوثائق القانونية، إلى شخصية محورية يُشتبه في إدارتها لهذا النشاط، وهو رجل إسرائيلي مقيم في كندا، ظهر اسمه في تسجيل عدة منظمات، وربطته شهادات العائلات بعمليات التصوير والتنسيق وإدارة الحملات.

اختيار الضحايا وفق معايير دعائية

مصادر من داخل الشبكة أكدت أن اختيار الأطفال لم يكن عشوائيا، بل تم وفق معايير محددة تتعلق بالعمر والمظهر والقدرة على إثارة التعاطف البصري.

ويرى خبراء في العمل الإنساني أن هذا الأسلوب يعكس عقلية تسليع الألم الإنساني، وتحويل معاناة الأطفال المرضى إلى “محتوى ربحي”، في انتهاك صارخ لأبسط القيم الأخلاقية.

تبريرات واهية وأموال مهدورة

بررت الشبكة اختفاء الجزء الأكبر من الأموال بما وصفته بـ”تكاليف الإعلانات”، غير أن خبراء أكدوا أن هذا التبرير غير منطقي، إذ لا يفترض أن تتجاوز النفقات الإدارية نسبة محدودة من إجمالي التبرعات، وليس الغالبية الساحقة منها، كما كشفت الحالات الموثقة.

تحركات رقابية وتحذيرات للمتبرعين

أثار التحقيق تحركات رقابية محتملة في عدد من الدول، حيث أكدت جهات رسمية مختصة بالإشراف على الجمعيات الخيرية أن استخدام العمل الإنساني كغطاء للاحتيال قد يؤدي إلى سحب التراخيص وملاحقات قانونية.

كما دعت منظمات إنسانية المتبرعين إلى التدقيق في الجهات التي تجمع الأموال، مطالبة منصات التمويل الرقمي بتشديد الرقابة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

جريمة لا تسرق المال فقط… بل تدمّر الثقة

لا تتوقف خطورة هذه القضية عند حدود الاحتيال المالي، بل تمتد إلى تقويض الثقة العالمية في العمل الخيري، وإلحاق ضرر مباشر بالأطفال المرضى الذين يفترض أن يكونوا في صدارة الحماية، لا في قلب شبكات الإجرام المقنّع بعباءة “الإنسانية”.

اقرأ أيضًا : الإمارات في الواجهة.. ميليشيا الدعم السريع تقصف كردفان وأقمار صناعية توثق استهداف مستشفى