بقلم محمود جمال

لم يكن مقتل الشابين المصريين خالد سعيد عام 2010 وسيد بلال مطلع 2011 تحت التعذيب في أقسام شرطة الإسكندرية حدثًا عابرًا، بل كان الشرارة التي فجّرت غضبًا مكبوتًا لعقود في صدور ملايين المصريين، فاندلعت ثورة 25 يناير وأسقطت نظام حسني مبارك بعد ثلاثين عامًا من الحكم الأمني القمعي. كان مشهد وجه خالد سعيد المهشّم بعد تعذيبه رمزًا للظلم، وصار أيقونة جمعت حولها جموعًا غاضبة خرجت تهتف “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

واليوم، بعد 13 عامًا، يعود شبح الماضي ذاته عبر صور جثمان المواطن أيمن مسلم (في الأربعينيات من عمره)، وقد بدت عليه آثار تعذيب بعد وفاته بمستشفى منيا القمح العام بمحافظة الشرقية، وسط اتهام أسرته لضباط مركز الشرطة بقتله أثناء احتجازه. وفي اليوم ذاته، وثّقت “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” مقتل المواطن أسامة فراج بـ5 رصاصات داخل فيلته بمركز ساحل سليم بأسيوط، في عملية أمنية وُصفت بالتصفية المباشرة.

مسالخ بشرية ودماء بلا حساب

يُظهر تقرير “حصاد القمع” الصادر عن مركز “النديم” حجم التوحش المتزايد في أداء الأجهزة الأمنية، إذ وثّق مقتل 20 مواطنًا مصريًا على يد قوات الأمن في أغسطس وحده، بينهم 8 في حملة أمنية بالمنوفية، و6 آخرين بأسوان، ومواطنان خلال مداهمة بالمنوفية، إضافة لتصفية محرم فؤاد بعد ساعات من اعتقاله بالقاهرة، ومحمد عادل عبدالعزيز في أسيوط.

كما رصد التقرير 24 وفاة داخل أماكن احتجاز في الشهر ذاته، بينها 6 بسبب التعذيب، و10 نتيجة الإهمال الطبي، و2 لسوء أحوال الاحتجاز، و6 وفيات “غامضة الأسباب”. وذكرت مؤسسة “جِوار” لحقوق الإنسان أن من بين الضحايا وليد أحمد طه الذي قُتل بقسم شبرا الخيمة، وزوجين قُتلا تحت التعذيب بقسم المنشية بالإسكندرية في اليوم نفسه، مؤكدة أن هذه ليست وقائع فردية، بل “سجل دموي يفضح دولة تُدير السجون كمسالخ بشرية، حيث يُستبدل القانون بالانتقام، والرعاية الطبية بالإهمال، والاحتجاز المشروع بالتعذيب حتى الموت”.

تعتيم رسمي وإنكار دائم

رغم توالي شهادات الأهالي والمعتقلين السابقين وشهود العيان وتقارير المنظمات الحقوقية التي توثق هذه الجرائم، تواصل السلطات المصرية الإنكار الكامل أو تقديم روايات أمنية متضاربة، تزعم أن الضحايا “مطلوبون جنائيًا” أو “بادروا بإطلاق النار” أو أنهم توفوا بـ”أسباب طبيعية”. كما تتعمد الجهات الرسمية فرض تعتيم إعلامي صارم على وقائع التعذيب والقتل داخل أماكن الاحتجاز، ما يجعل التحقق المستقل شبه مستحيل.

وفي حالات نادرة تُفتح فيها تحقيقات غير علنية، تنتهي غالبًا بأحكام مخففة يعقبها عفو رئاسي، كما حدث في جريمة قتل 37 محتجزًا داخل سيارة ترحيلات “أبوزعبل” عام 2013، التي انتهت ببراءة معظم المتهمين. ووفق منظمات حقوقية، فقد وثّقت 1176 حالة وفاة في أماكن احتجاز منذ استيلاء السيسي على السلطة عام 2013، جراء “التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والاكتظاظ الشديد”، وسط غياب تام للمساءلة.

بيئة قانونية تحمي القتلة

كرّس السيسي خلال سنوات حكمه حصانة شبه مطلقة لضباط وأفراد الشرطة عبر حزمة قوانين وقرارات وسياسات حصّنتهم من المحاسبة، بدءًا من تصريحاته عقب مجازر فض اعتصامي رابعة والنهضة في أكتوبر 2013 حين طمأن الضباط بأنهم “لن يُحاكموا إذا قتلوا متظاهرين”، مرورًا بتجديد حالة الطوارئ حتى 2021 التي منحتهم صلاحيات استثنائية للاعتقال والتفتيش دون إذن، ثم قانون التظاهر 2013 الذي شرعن القمع، وقانون 136 لسنة 2014 الذي أحال المدنيين إلى محاكم عسكرية، وصولًا إلى قوانين مكافحة الإرهاب 2015 التي منحتهم سلطات واسعة للتوقيف دون رقابة.

كما يشير حقوقيون إلى ثغرات في تعريف جريمة التعذيب بقانون العقوبات المصري، وعدم اتساقها مع اتفاقية مناهضة التعذيب التي تلزم الدولة بمساءلة القيادات الأمنية لا المنفذين فقط، فيما غالبًا ما تجري التحقيقات في الانتهاكات عبر أجهزة تابعة للشرطة نفسها أو النيابة العامة، وتنتهي بإغلاق القضايا تحت توصيفات “إهمال طبي” أو “وفاة طبيعية”، بدل اتهام الجناة بالتعذيب أو القتل العمد.

هل يمكن أن يشعل القمع ثورة جديدة؟

يرى السياسي المصري خالد الشريف أن ثورة 25 يناير “اختزلت كل عوامل الغضب في مقتل خالد سعيد، لكن الغضب كان متراكمًا منذ عقود”، معتبرًا أن “أسباب الثورة اليوم أكثر من الماضي: قتل وفقر وديون وتبعية وغياب عدالة وانهيار منظومة الدولة، لكن الشعب لا يثور بسبب حاجز الخوف والقمع والبطش وغياب القيادات”. ويؤكد أن “النظام الحالي لا يملك مقومات البقاء سوى عصا الشرطة، وهذه لا تدوم”، مشددًا على أن “الثورة قادمة لأن الشعوب لا تنسى مطالبها، وستأتي لحظة لا تجدي فيها أدوات القمع”.

ورغم صعوبة التنبؤ بموعد الانفجار الشعبي، إلا أن استمرار القتل تحت التعذيب والإفلات من العقاب يرسّخ قناعة متزايدة بأن النظام بلغ أقصى درجات التوحش، وأن الشرارة قد تشتعل من جديد من زنزانة مظلمة أو جسد معذّب كما بدأت من قبل بصورة وجه خالد سعيد.

اقرأ أيضًا : “نظام هش”.. السماك يرد على قرار إسقاط جنسيته المصرية بعد واقعة السفارة في نيويورك