بقلم / أحمد محمد أحمد
في خطوة مثيرة للجدل كشفت هشاشة النظام المصري في التعامل مع معارضيه في الخارج، أثار قرار رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بإسقاط الجنسية المصرية عن المواطن أكرم أحمد السماك ونجليه ياسين (22 عامًا) وعلي (15 عامًا)، عاصفة من الانتقادات الحقوقية والسياسية، لا سيما وأن القرار جاء بعد واقعة الاعتداء على نجليه داخل السفارة المصرية في نيويورك، عقب احتجاج رمزي سلمي للمطالبة بفتح معبر رفح أمام المساعدات إلى غزة.

صدمة الأب: الجنسية ليست منحة من أحد
أعرب السماك في تصريحات خاصة عن صدمته واستيائه الشديد من القرار، مؤكدًا أن الجنسية المصرية “ليست منحة من أحد حتى تُسحب بهذه السهولة”، معتبرا أن ما جرى يعكس استخفافا تاما بالدستور والقانون المصري.
وقال السماك:
“هل لهذه الدرجة لا يوجد احترام لا للقانون ولا للدستور؟ ماذا فعل أبنائي، أحدهما عمره 22 عامًا والثاني 15 عامًا، ليُسحب منهم جوازهم المصري؟ هل لأنهم وقفوا أمام السفارة المصرية مطالبين بفتح معبر رفح لغزة؟ أنا بالأساس لم أكن موجود، ولمجرد أن يعبر أبناؤنا عن رأيهم يتم سحب الجنسية منهم، ماذا أقول لهم الآن؟ مصر سحبت جنسيتكم؟”.
السماك شدد على أن القرار يعكس حالة من الذعر لدى النظام من أي احتجاج خارجي ولو رمزي، قائلاً إن “الموقف يدل على أننا يحكمنا طاغية وأيامه قربت.. أطفال صغار ولا أحد يعرفنا، ومن موقف صغير قادرين يسببوا هذا الزعر للنظام المصري ليتم سحب الجنسية منهم”.
واقعة الاعتداء داخل السفارة
ويعود أصل القصة إلى أغسطس الماضي، حين شارك ياسين وعلي في وقفة رمزية أمام مقر البعثة المصرية في نيويورك للمطالبة بفتح معبر رفح، إلا أن عناصر من البعثة الدبلوماسية اعتدوا عليهم داخل مقر السفارة باستخدام “جنازير حديدية”، واحتجزوهم قسريًا قبل تسليمهم للشرطة الأمريكية، وهو ما أثار استنكارًا واسعًا في أوساط الجاليات العربية والحقوقيين في الولايات المتحدة.
وقالت شرطة نيويورك إن ياسين واجه تهمة “الاعتداء”، فيما وُجهت لعلي تهم “الاعتداء والخنق”، استنادًا إلى رواية موظفين بالسفارة قالوا إنهم تعرضوا لإصابات، لكن ناشطين أكدوا أن الفيديوهات التي انتشرت أوضحت أن الاعتداء كان من جانب الدبلوماسيين المصريين وليس العكس.
السماك الأب أشار إلى أن نجليه لم يفعلا سوى التعبير عن رأيهما، مؤكداً أن ما تعرضا له كان “خطفًا وضربًا ممنهجًا داخل مقر دبلوماسي يفترض أنه يحمي المواطنين لا يعتدي عليهم”.
ذريعة قانونية مفبركة
اللافت أن الحكومة المصرية بررت قرار إسقاط الجنسية بالاستناد إلى بند قانوني ينص على إسقاطها تلقائيًا عمن يتجنس بجنسية أخرى دون إذن مسبق من رئيس الجمهورية، وهو ما وصفه السماك بأنه “ذريعة مفبركة”، موضحًا أن أبناءه حصلوا على الجنسية الأمريكية بالولادة ثم استخرجوا جوازات مصرية لاحقًا، وهو ما يعني أن السلطات المصرية كانت على علم بوضعهم منذ البداية ولم تعترض عليه لعقود.
وتساءل السماك:
“إذا كان هذا هو السبب، لماذا انتظروا أكثر من 15 سنة؟ ولماذا لم يسحبوا الجنسية من ابني الأكبر أحمد وهو أيضًا أمريكي بالمولد؟”.
وشدد على أنه لا يعترف أصلًا بالقرار ولم يتخذ أي إجراء قانوني لمواجهته، لأنه يعتبره “باطلاً ولا يعنيه في شيء”، قائلاً إن “الهوية ليست ورقة يمكن سحبها بقرار سياسي لحظي”.
قرار سياسي انتقامي يكشف هشاشة النظام
يرى مراقبون أن توقيت القرار، بعد أيام من الواقعة المثيرة داخل السفارة، يكشف أنه إجراء انتقامي بامتياز يهدف إلى ترهيب المعارضين المصريين في الخارج وكتم أي صوت ناقد للسياسات الرسمية، خصوصًا فيما يتعلق بالتواطؤ المصري في استمرار إغلاق معبر رفح خلال المجازر الإسرائيلية في غزة.
هذا النمط من العقوبات الجماعية ليس جديدًا على النظام المصري الذي كثف في السنوات الأخيرة سياسة إسقاط الجنسية أو سحب جوازات السفر عن معارضين ونشطاء بالخارج، ضمن أدواته لإسكات الأصوات المناهضة لسياساته.
ويرى محللون أن خطوة نزع الجنسية عن أطفال لمجرد احتجاج رمزي، تعكس إلى أي مدى بات النظام يعيش حالة ارتباك وخوف من أي نشاط سياسي حتى في الخارج، ما يعكس هشاشة شرعيته داخليًا وتآكل صورته خارجيًا، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية لانتهاكاته الحقوقية.
تقاطعات مع قمعية إدارة ترامب الداعمة للاحتلال
يأتي هذا القرار ضمن سياق أوسع من التعاون الأمني القمعي بين النظام المصري وحلفائه الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي وفر غطاءً واسعًا لممارسات السيسي القمعية مقابل دوره في دعم الاحتلال الإسرائيلي والتطبيع العربي معه.
فخلال فترة ترامب، تم تجاهل ملف حقوق الإنسان في مصر بالكامل، واعتُبرت القاهرة “حليفًا لا غنى عنه” في صفقة القرن ودعم الحصار على غزة، ما شجع النظام المصري على المضي قدمًا في سحق المعارضة في الداخل والخارج دون خشية من المحاسبة.
واليوم، يعيد قرار إسقاط الجنسية عن السماك وأبنائه إنتاج هذه السياسة القمعية المدعومة دوليًا، التي ترى في أي تعاطف مع الفلسطينيين تهديدًا للأمن القومي، في تجسيد صارخ لانحياز النظام المصري التام لرواية الاحتلال الإسرائيلي.
خاتمة: هوية لا تُنتزع بقرار
في نهاية المطاف، يرى مراقبون أن محاولة تجريد السماك وأبنائه من جنسيتهم المصرية لن تنجح في محو هويتهم أو إسكات أصواتهم، بل قد تزيد من كشف الوجه القمعي للنظام القائم.
فالهويات لا تنتزع بقرارات حكومية، ولا تُلغى بجرة قلم، خاصة حين تتحول الجنسية إلى سلاح سياسي لمعاقبة المواقف الإنسانية والتضامنية. هذه الحادثة لم تفضح فقط ظلم القرار، بل أظهرت هشاشة نظام يخشى حتى من احتجاج رمزي لشابين صغيرين في شوارع نيويورك.
اقرأ أيضًا : ساعات دامية في غزة.. الاحتلال يصعّد وحشيته ويواصل المجازر