أعادت مؤسسات حقوقية مصرية، خلال الأيام الماضية، فتح واحد من أكثر ملفات الاختفاء القسري حساسية في مصر، بعد مطالبتها بفتح تحقيق عاجل في مصير البرلماني السابق مصطفى النجار، على خلفية تصريحات أدلى بها الصحفي محمد الباز، زعم فيها امتلاكه معلومات تفيد بمقتل النجار على الحدود المصرية السودانية.
القضية، التي ظلت لسنوات عالقة بين النفي الرسمي والصمت الأمني، انتقلت فجأة من خانة “الاختفاء” إلى شبهة “القتل خارج إطار القانون”، ما يضع النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي أمام اختبار جديد يكشف طبيعة القمع الممنهج الذي يحكم العلاقة بين السلطة ومعارضيها.

تصريحات إعلامية تكشف ما حاولت السلطة دفنه
المؤسسات الحقوقية اعتبرت أن ما قاله محمد الباز لا يمكن التعامل معه بوصفه “رأياً إعلامياً”، بل هو ادعاء مباشر بوقوع جريمة جسيمة. فحين يصرّح صحفي معروف بقربه من دوائر السلطة بأن شخصية سياسية معارضة “قُتلت”، فإن ذلك يفرض، وفق القانون، تحركاً فورياً من النيابة العامة.
غير أن السياق المصري يجعل من هذه التصريحات جزءاً من مشهد أوسع: استخدام الإعلام الموالي كأداة لتسريب روايات غير رسمية، تمهيداً لإغلاق ملفات محرجة، أو لتعويد الرأي العام على نهاية مأساوية دون مساءلة حقيقية. وهنا تتحول تصريحات الباز من “معلومة” إلى قرينة خطيرة على تورط الدولة أو على الأقل على علمها بما جرى.
حكم قضائي مُعطَّل وإرادة سياسية غائبة
البيان الحقوقي ذكّر بأن أسرة مصطفى النجار سلكت كل المسارات القانونية الممكنة، ونجحت بالفعل في الحصول على حكم قضائي من مجلس الدولة في يناير 2020، يُلزم وزارة الداخلية بالكشف عن مصير النجار.
لكن، وكما هو معتاد في عهد السيسي، تحوّل الحكم إلى حبر على ورق. لم تُنفّذ المحكمة، ولم تُحاسَب الجهة الممتنعة عن التنفيذ، في رسالة واضحة مفادها أن الأجهزة الأمنية تقف فوق القانون، وأن القضاء الإداري نفسه عاجز أمام إرادة السلطة التنفيذية.
هذا التعطيل المتعمّد يعكس جوهر إجرام النظام: ليس فقط في احتمال ارتكاب جريمة قتل، بل في تقويض منظومة العدالة بالكامل، وتحويل القانون إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد المعارضين وتُعطَّل حين تهدد الأجهزة السيادية.
رواية “الهروب” كغطاء أمني للقمع
في مواجهة المطالبات الحقوقية، تمسّك الخطاب الرسمي السابق برواية أن مصطفى النجار “هارب” من حكم قضائي بالسجن بتهمة إهانة القضاء. هذه الرواية، التي رُوّجت عبر الهيئة العامة للاستعلامات، لم تُدعَّم يوماً بأي دليل مادي، ولم تُقدَّم صورة واحدة أو تسجيل واحد يثبت خروجه الآمن من البلاد.
اللافت أن النظام، الذي يملك أدوات مراقبة هائلة، يدّعي العجز عن تحديد مصير نائب سابق معروف، بينما لا يتردد في تعقّب معارضين أقل شهرة داخل وخارج البلاد. هذا التناقض يعزز فرضية الاختفاء القسري، ويحوّل رواية “الهروب” إلى مجرد ستار أمني لتبرير جريمة محتملة.
مصطفى النجار رمزاً لقمع ما بعد الثورة
لا يمكن فصل قضية النجار عن السياق الأوسع لمرحلة ما بعد 2013، حيث شهدت مصر واحدة من أوسع حملات القمع السياسي في تاريخها الحديث. النجار لم يكن مجرد نائب برلماني، بل كان وجهاً بارزاً من وجوه ثورة يناير، وصوتاً معارضاً داخل مؤسسات الدولة قبل إقصائها بالكامل.
اختفاؤه، ثم الصمت الرسمي الطويل، ثم التسريبات الإعلامية عن مقتله، تعكس مساراً واحداً: تصفية المجال العام، وإرسال رسالة رعب لكل من يفكر في معارضة السيسي أو التشكيك في شرعيته.
مطلب التحقيق… واختبار الإرادة الدولية
مطالبة المؤسسات الحقوقية باستدعاء محمد الباز والتحقيق في تصريحاته ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي محاولة أخيرة لكسر جدار الإفلات من العقاب. فإما أن تُثبت الدولة صحة هذه الادعاءات وتتحمل مسؤوليتها عن جريمة قتل، أو تكشف زيفها وتحاسب من أطلقها.
لكن التجربة المصرية تشير إلى أن النظام يراهن دائماً على عامل الزمن، وعلى تواطؤ دولي صامت، يكتفي ببيانات القلق دون ضغط حقيقي. ومع ذلك، تبقى قضية مصطفى النجار شاهداً دامغاً على إجرام السيسي وقمعه، وعلى أن الحقيقة، مهما دُفنت، تظل تطفو من جديد.
اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة