في تطور خطير يعكس المسار المتدهور للحريات العامة في جنوب اليمن، أقدمت عناصر مسلحة تابعة لما يُعرف بـالمجلس الانتقالي الجنوبي على اقتحام مقر صحيفة عدن الغد في العاصمة المؤقتة عدن، محطّمة محتوياته، ومعتدية على موظفين أثناء تأديتهم لعملهم. الواقعة، التي قوبلت بإدانة واسعة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى باتت عدن رهينة لسلطة الميليشيا، وما هو الدور الذي تلعبه أبوظبي في ترسيخ هذا الواقع القمعي؟.

اقتحام بالقوة ورسالة ترهيب

بحسب بيان صادر عن رئيس التحرير فتحي بن لزرق، نفذت العناصر المسلحة هجومًا منظمًا شمل تدمير المقر ونهب محتوياته والاعتداء الجسدي على العاملين، ما أسفر عن إصابة اثنين منهم. البيان وصف الحادثة بأنها «جريمة مكتملة الأركان» وتهديد مباشر لحرية الصحافة والعمل الإعلامي، محذرًا من تصعيد يستهدف «الكلمة الحرة» ومحاولة فرض واقع بالقوة وإسكات الأصوات المخالفة. هذه اللغة لا تعكس توصيفًا انفعاليًا بقدر ما تُعبّر عن نمط متكرر من الممارسات التي تحوّلت إلى سياسة ردع ممنهجة ضد الإعلام المستقل في عدن.

إدانة نقابية وتحميل للمسؤوليات

من جهتها، أدانت نقابة الصحفيين اليمنيين الاقتحام بأشد العبارات، مؤكدة أن ما جرى «انتهاك صارخ لحرية الصحافة» وجريمة مكتملة الأركان، تعكس حالة انفلات أمني وتغول على الحريات العامة. النقابة حمّلت السلطات الأمنية المسؤولية القانونية والأخلاقية، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف ومحاسبة جميع المتورطين ومنع إفلاتهم من العقاب، مجددة تضامنها مع طاقم الصحيفة وداعية المنظمات الحقوقية والاتحادات الصحفية العربية والدولية إلى الضغط من أجل حماية الصحفيين في اليمن.

سياق متكرر لا حادثة معزولة

اللافت أن هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، داهمت قوة تابعة للمجلس الانتقالي مقر الصحيفة نفسها واعتقلت رئيس تحريرها لساعات قبل الإفراج عنه. التكرار هنا ليس صدفة، بل مؤشر على سياسة عقابية تستهدف منصة بعينها بسبب خطها التحريري، وتبعث برسالة تخويف إلى بقية المؤسسات الإعلامية: الالتزام بالصمت أو مواجهة العواقب.

عدن تحت سلطة الميليشيا

تُظهر الوقائع أن عدن باتت تعيش وضعًا تُدار فيه المدينة بقوة السلاح لا بسيادة القانون. وجود تشكيلات مسلحة خارج الأطر المؤسسية، قادرة على اقتحام مقرات إعلامية والاعتداء على صحفيين دون رادع، يعني عمليًا تعطيل الدولة وإفراغ مؤسساتها من وظيفتها. هذا الواقع يخلق بيئة خانقة للعمل الصحفي، حيث يُحرم الإعلاميون من الوصول إلى المعلومات ويواجهون مخاطر الاختطاف والاعتداء والاغتيال، وهي فاتورة باهظة دفعتها الصحافة اليمنية خلال سنوات الحرب.

دور الإمارات: الدعم والغطاء

لا يمكن فصل ما جرى عن الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في جنوب اليمن. فالمجلس الانتقالي، وفق تقارير ووقائع ميدانية، نشأ وترسّخ بدعم سياسي وعسكري ومالي إماراتي، وتحول إلى ذراع محلية تنفذ أجندة أبوظبي في الموانئ والجزر والمناطق الحيوية. هذا الدعم لم يقتصر على البنية العسكرية، بل وفّر غطاءً سياسيًا لممارسات قمعية، من بينها استهداف الصحافة وتقييد الحريات، في سياق إعادة هندسة المشهد العام بما يضمن السيطرة وإقصاء أي خطاب ناقد.

إن اقتحام مقر «عدن الغد» لا يُقرأ فقط كاعتداء على صحيفة، بل كحلقة في سلسلة تضييق تهدف إلى إخضاع المجال العام، وتجفيف مصادر النقد، وتكريس سردية واحدة بالقوة. وفي ظل صمت أو عجز السلطات، يصبح الدعم الخارجي عاملًا حاسمًا في استمرار هذه الانتهاكات.

ما بعد الإدانة: اختبار الإرادة

الإدانات وحدها لا تكفي. المطلوب اليوم خطوات عملية: تحقيق مستقل، محاسبة علنية، وضمانات حماية حقيقية للمؤسسات الإعلامية. كما أن على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أن تتجاوز بيانات القلق إلى آليات ضغط فعّالة، تُحمّل الداعمين الإقليميين مسؤولياتهم عن انتهاكات شركائهم المحليين.

في المحصلة، ما جرى في عدن هو اختبار لإرادة الدفاع عن حرية التعبير في اليمن. إما أن يُكسر منطق الإفلات من العقاب، أو يستمر نزيف الحريات تحت سطوة ميليشيا مدعومة إقليميًا، تُحاول إسكات الحقيقة لأنها أخطر ما يواجه مشاريع الهيمنة.

اقرأ أيضًا : ملفات إبستين تكشف رسائل صادمة تربط اغتيال خاشقجي بلعبة ابتزاز إماراتية إقليمية