في مشهد دموي جديد يعكس تصاعد الفوضى في السودان، هزّت مجزرة مروّعة مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بعدما استُهدف تجمع للعزاء بهجوم عنيف أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصًا وإصابة العشرات. الحادثة التي أدانتها الأمم المتحدة ووصفتها بـ”الوحشية”، جاءت وسط اشتداد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي تواصل التمدد في مناطق كردفان ودارفور، في حرب تُغذّيها أطراف خارجية على رأسها النظام الإماراتي بقيادة محمد بن زايد، المتهم بتمويل وتسليح مليشيات الدعم السريع.

تصاعد دموي يهدد بانفجار كردفان

مدينة الأبيض ليست مجرد مدينة عادية في خريطة السودان، فهي عقدة مواصلات رئيسية تربط الخرطوم بإقليم دارفور، وتضم مطارًا ومركزًا لوجستيًا للجيش السوداني. ومنذ سقوط مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع، تصاعد التوتر في شمال كردفان بشكل غير مسبوق.

الهجوم الذي استهدف مجلس عزاء في أحد أحياء الأبيض يُعدّ من أكثر الحوادث دموية منذ شهور، ويعكس مدى الانفلات الأمني وتحول المدنيين إلى أهداف سهلة في حرب تُدار بلا ضوابط.

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها المباشرة عن المجزرة، لكن طبيعة الهجوم وتوقيته يشيران إلى أن قوات الدعم السريع – التي صعدت هجماتها في محيط الأبيض بعد السيطرة على بارا – باتت تستخدم العنف ضد التجمعات المدنية كتكتيك حرب لإرهاب السكان ودفعهم للنزوح، تمهيدًا للسيطرة الكاملة على المنطقة.

نزوح جماعي ومأساة إنسانية متفاقمة

مع اتساع رقعة المعارك، أعلنت جمعية الهلال الأحمر السوداني أن آلاف النازحين الجدد تدفقوا نحو مخيمات الولاية الشمالية خلال الأيام الأخيرة، معظمهم من ولايتي شمال كردفان وشمال دارفور، هربًا من القصف والانتهاكات.

تؤكد منظمات الإغاثة أن الوضع الإنساني في كردفان بلغ مرحلة الانهيار، إذ تعاني فرق الإنقاذ من نقص حاد في الموارد وصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بسبب الحصار والعمليات العسكرية المستمرة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 36 ألف مدني فروا من شمال كردفان خلال الأسابيع الماضية، بينما نزح أكثر من 70 ألفًا من الفاشر وحدها منذ سقوطها في يد الدعم السريع.

ترافق ذلك مع تحذيرات من تفشي المجاعة في مدينة كادوغلي بجنوب كردفان، واحتمال توسعها إلى أكثر من 20 مدينة في ولايتي دارفور وكردفان خلال الأشهر القادمة، نتيجة الحصار ونقص الإمدادات وانعدام الأمن الغذائي.

من المجازر إلى التطهير العرقي

تتقاطع الشهادات الميدانية مع تقارير أممية تؤكد أن قوات الدعم السريع ارتكبت فظائع واسعة في مدينة بارا، شملت إعدامات ميدانية وانتقامًا من مدنيين على أساس عرقي، إضافة إلى عمليات اغتصاب ونهب وخطف.

هذه الانتهاكات ليست سوى امتداد لتاريخ مليشيا الجنجويد التي أعاد محمد بن زايد تدويرها بتمويل وتسليح حديث عبر شبكات تهريب تمتد من ليبيا إلى تشاد وإفريقيا الوسطى.

ويرى محللون أن استمرار الدعم الإماراتي لهذه القوات هو ما يجعلها قادرة على خوض حرب طويلة الأمد ضد الجيش، رغم العقوبات والمواقف الدولية، مشيرين إلى أن أبوظبي تستخدم السودان كساحة نفوذ جديدة بعد فشلها في اليمن وليبيا.

الأبيض.. جبهة جديدة في حرب التقسيم

مع اتساع سيطرة الدعم السريع في دارفور وكردفان، بدأ يظهر انقسام جغرافي واضح بين الشرق الخاضع للجيش والغرب الذي تهيمن عليه مليشيات حميدتي. هذا الانقسام يعزز مخاوف من تحول السودان إلى دولتين فعليًا: إحداهما بغطاء عسكري رسمي والأخرى بواجهة قبلية مدعومة خارجيا.

ويحذر خبراء من أن سقوط الأبيض – إن حدث – سيكون نقطة تحول حاسمة، إذ ستصبح قوات الدعم السريع على تماس مباشر مع ولايات الجزيرة والنيل الأبيض، ما يعني فتح الطريق نحو قلب السودان.

إجرام بن زايد وتمويل الحرب القذرة

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تتصاعد الأدلة على تورط الإمارات في دعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح والمعلومات الاستخباراتية، عبر شبكات تهريب معقدة تمر من ليبيا وتشاد.

تُتهم أبوظبي بتمويل الانقلابات وتسليح المليشيات في أكثر من ساحة عربية، من اليمن إلى السودان، بهدف تعزيز نفوذها الإقليمي وتأمين مصالحها الاقتصادية والعسكرية، خصوصًا في الموانئ ومناطق التعدين.

ويرى مراقبون أن صمت المجتمع الدولي تجاه هذا الدور يعكس ازدواجية المعايير، إذ تُترك الشعوب ضحية لأنظمة تستثمر في الفوضى وتغذي الحروب بالمال والمرتزقة.

خاتمة: السودان بين الجوع والموت

تُضاف مجزرة الأبيض إلى سلسلة طويلة من الجرائم التي حولت السودان إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. أكثر من 13 مليون نازح، وملايين مهددون بالمجاعة، ومدن تُسوى بالأرض في ظل حرب تُدار بالوكالة عن مصالح خارجية.

وبينما يستمر محمد بن زايد في تمويل آلة القتل، تُترك مدن السودان تحترق في صمت، ويغدو مجلس العزاء الذي قُتل فيه العشرات مرآةً لبلدٍ يُشيّع أبناءه كل يوم دون توقف.

لقد بات واضحًا أن الحرب السودانية ليست مجرد صراع على السلطة، بل مشروع استعباد جديد تديره أيادٍ أجنبية، تكتب فصلًا آخر من إجرام بن زايد بحق الشعوب العربية والإفريقية.

اقرأ أيضًا : جرائم الاحتلال تتواصل: اعتقالات وهدم منشآت بالضفة في ظل وقف إطلاق النار