في مشهدٍ جديد من مشاهد الإجرام الإسرائيلي المتصاعد ضد الفلسطينيين، شنّ جيش الاحتلال، اليوم الثلاثاء، حملة اعتقالاتٍ واقتحاماتٍ وهدمٍ طالت عدداً من مدن وبلدات الضفة الغربية، في استمرارٍ لنهج القمع والتهجير المنهجي، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وأسفرت الحملة عن اعتقال 20 فلسطينياً وتدمير محلات ومنشآت سكنية وتجارية، في مشهدٍ يعكس استهتار إسرائيل التام بالقانون الدولي، وامتداد سياسات التطهير العرقي من غزة إلى الضفة الغربية.

الاقتحامات فجرًا: كمائن واعتقالات في طوباس ومدن الشمال

بحسب ما أوردته قناة الجزيرة نقلاً عن مصادر ميدانية، تسللت قوات إسرائيلية خاصة، صباح الثلاثاء، إلى بلدة طمون جنوبي مدينة طوباس شمال الضفة الغربية عبر مركبات تحمل لوحات تسجيل فلسطينية، في محاولة لإخفاء هويتها أثناء تنفيذ عملية اعتقالٍ استهدفت أربعة شبان فلسطينيين.

وأوضحت المصادر أن القوة الخاصة حاصرت منزلين داخل البلدة، قبل أن تدفع بتعزيزاتٍ عسكرية ضخمة شملت عشرات الجنود وآلياتٍ مدرعة، لتبدأ عملية مداهمات واعتقالات شملت منازل عديدة. وأكد سكان البلدة أن الجنود أطلقوا النار بشكلٍ عشوائي لترهيب الأهالي، واحتجزوا عائلاتٍ داخل غرف مغلقة أثناء عمليات التفتيش.

من جانبه، ذكر مركز إعلام الأسرى (وهو مركز غير حكومي يُعنى بتوثيق انتهاكات الاحتلال) أن الاعتقالات لم تقتصر على طوباس، بل امتدت إلى مدنٍ عدة، منها نابلس وقلقيلية وطولكرم شمالاً، ورام الله وسط الضفة، والخليل جنوباً، موضحاً أن من بين المعتقلين أسرى محررون سبق أن قضوا سنوات في سجون الاحتلال.

ووفقاً للمركز، بلغ عدد المعتقلين خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء عشرين فلسطينياً، في استمرارٍ لسياسة الاعتقالات اليومية التي تطال المئات شهرياً بهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإحكام السيطرة الأمنية على الضفة الغربية.

سياسة الهدم: تدمير المحلات والمنازل بحجة “عدم الترخيص”

لم تقتصر جرائم الاحتلال على الاعتقالات، بل شملت تدمير الممتلكات الخاصة، إذ اقتحمت جرافات الاحتلال بلدة دورا جنوب الخليل وهدمت محلاً تجارياً لتصليح السيارات، بدعوى “عدم وجود أوراق رسمية”، وفق رواية شهود العيان.

وأظهرت مقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الدمار الذي خلّفته العملية، حيث حُطّمت السيارات قيد التصليح ودُمّرت أدوات العمل وقطع الغيار، في مشهدٍ يوحي بأن الهدف الحقيقي ليس التنظيم العمراني بل تجفيف مصادر رزق الفلسطينيين.

وفي محافظة أريحا شرق الضفة، هدمت القوات الإسرائيلية منزلين وجدراناً استنادية في حي المطار، بدعوى “البناء دون ترخيص”، وهي الذريعة التي يستخدمها الاحتلال منذ سنوات لشرعنة سياسة الهدم في المناطق المصنفة (C) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.

ويؤكد حقوقيون أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً يهدف إلى تفريغ الضفة الغربية من سكانها الأصليين، في إطار مشروع استيطاني متسارع لتوسيع نفوذ المستوطنات وربطها بشبكة طرقٍ عسكرية تمتد حتى الأغوار.

تواطؤ دولي وصمت عربي

ورغم التنديد المتكرر من قبل المؤسسات الحقوقية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته اليومية في الضفة بلا رادع، في ظل تواطؤٍ دوليٍ واضح وصمتٍ عربيٍ مريب.

فمنذ بداية العام الجاري، صعّد الاحتلال من عملياته العسكرية والمداهمات، بالتوازي مع الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1065 فلسطينياً وإصابة نحو 10 آلاف آخرين في الضفة وحدها، وفق بيانات رسمية فلسطينية.

أما في غزة، فقد تجاوز عدد الشهداء 68 ألفاً و865، فيما أصيب 170 ألفاً و664 آخرون، غالبيتهم من الأطفال والنساء، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب تقارير وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمات الأمم المتحدة.

ويرى مراقبون أن هذه الاعتداءات المتزامنة في غزة والضفة تمثل جزءاً من استراتيجية الاحتلال لإدامة السيطرة على كامل الأرض الفلسطينية، وتحويل الضفة الغربية إلى كيانٍ ممزق تحكمه المستوطنات والحواجز العسكرية، بينما تُخضع غزة لحصارٍ خانق ودمارٍ شامل يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.

خرقٌ مستمر لوقف إطلاق النار

ورغم سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي بموجب الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن إسرائيل تواصل خرق الاتفاق بشكلٍ يومي، عبر القصف، والاعتقالات، وعمليات الاغتيال، واقتحام المدن الفلسطينية، ما أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين منذ إعلان التهدئة.

وتتهم الفصائل الفلسطينية واشنطن بالتهاون في الضغط على تل أبيب، إذ تكتفي الخارجية الأميركية بإبداء “القلق” دون اتخاذ أي خطوةٍ عملية لوقف الانتهاكات، في حين يستغل الاحتلال هذا الغطاء السياسي لتكريس احتلاله.

خاتمة: الضفة في مواجهة آلة القمع

ما جرى اليوم في طوباس ودورا وأريحا ليس حدثاً استثنائياً، بل هو فصل جديد من حربٍ مفتوحةٍ تشنها إسرائيل على الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، تحت عناوين الأمن والترخيص والملاحقة.

فالاحتلال، الذي فشل في تحقيق انتصارٍ عسكريٍ على المقاومة في غزة، يحاول عبر القمع الميداني في الضفة إعادة فرض هيبته، غير مدركٍ أن هذه السياسات لا تولّد سوى مزيد من الغضب والمقاومة.

وبينما يواصل العالم تجاهله، تظل مشاهد الدمار والاعتقال شاهدةً على إصرار الاحتلال على الإبادة والتطهير، وإصرار الفلسطينيين على البقاء في أرضهم مهما بلغت التضحيات.

اقرأ أيضًا : الإمارات.. وكيل الاحتلال الإسرائيلي الذي يخشى القتال نيابة عنه في غزة