بقلم / محمود المنصور
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن تفاصيل خطة أمريكية تحمل اسم «مشروع شروق الشمس»، تهدف – وفق الرواية الرسمية – إلى تحويل قطاع غزة إلى مدينة تكنولوجية متطورة بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة.
غير أن مضمون الخطة، وسياق طرحها، يكشفان أنها ليست مشروع إعمار بقدر ما هي محاولة سياسية لإدارة ما بعد الإبادة، وإعادة صياغة غزة بما يخدم الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية، في استمرار مباشر لدعم واشنطن للاحتلال.

مشروع يولد بعد الدمار
تقدّر الخطة تكلفة إعادة تشكيل غزة بنحو 112.1 مليار دولار على مدى عشر سنوات، مع تعهّد أمريكي بلعب دور «الداعم الرئيسي» عبر منح وضمانات ديون. ويجري تسويق المشروع على حكومات وشركاء دوليين باعتباره فرصة لتحويل غزة من منطقة منكوبة إلى مركز اقتصادي حديث.
لكن اللافت أن الخطة لا تنطلق من وقف العدوان أو محاسبة المسؤولين عنه، بل من التعامل مع الدمار باعتباره أمرًا واقعًا يجب البناء فوقه. فلا حديث عن الجرائم المرتكبة، ولا عن تعويض الضحايا، بل قفز مباشر نحو الاستثمار وإعادة التصميم.
«مدينة ذكية» فوق واقع إنساني منهار
تتضمن الخطة إنشاء منتجعات فاخرة على ساحل غزة، وناطحات سحاب، وقطارات فائقة السرعة، وشبكات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتعرض تصورًا لغزة جديدة تنتقل – حسب الوصف – من الخيام إلى الشقق الفاخرة، ومن الفقر إلى الازدهار.
غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع كارثي: عشرات آلاف الشهداء، آلاف الجثث لا تزال تحت الأنقاض، بنية تحتية مدمرة، أرض ملوثة بالقنابل غير المنفجرة، ومجتمع يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. الحديث عن “مدينة مستقبلية” في هذا السياق يبدو أقرب إلى تسويق عقاري فوق المقابر.
الإعمار المشروط: نزع السلاح أولًا
تنص الخطة بوضوح على أن إعادة إعمار غزة مشروطة بنزع سلاح المقاومة وتفكيك الأنفاق. هذا الشرط يكشف جوهر المشروع السياسي: تحويل الإعمار من حق إنساني إلى أداة ضغط، وربط حياة المدنيين ومستقبلهم بتنازلات أمنية تمس جوهر الصراع.
بهذا المعنى، لا تُقدَّم الخطة كاستجابة لمعاناة شعب تعرض لحرب إبادة، بل كصفقة سياسية تُفرض من موقع القوة، وتنسجم كليًا مع الرؤية الإسرائيلية التي لطالما دعمتها إدارة ترامب.
شكوك داخل واشنطن نفسها
تشير الصحيفة إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين أبدوا شكوكًا جدية بشأن واقعية الخطة. فهناك تساؤلات حول افتراض قبول المقاومة بنزع سلاحها، وحول قدرة الولايات المتحدة على إقناع الدول الغنية بتمويل مشروع ضخم في بيئة غير مستقرة، قد تعود إليها الحرب في أي لحظة.
هذه الشكوك تعكس فجوة واضحة بين الخطاب المتفائل الذي تروّج له الخطة، والواقع السياسي والأمني المعقد في غزة.
«ريفييرا الشرق الأوسط»: استعمار بلغة ناعمة
يروج مؤيدو المشروع لرؤية تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، معتبرين أن ترك القطاع دون تطوير خيار أسوأ. غير أن هذه الرؤية تخفي طابعًا استعماريًا واضحًا، يقوم على تحويل الساحل إلى واجهة استثمارية فاخرة، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل اقتصادي وديموغرافي قد يقصي السكان الأصليين لصالح رأس المال.
وتشير الخطة إلى استثمار 70% من ساحل غزة في مراحل لاحقة، مع توقع عائدات تتجاوز 55 مليار دولار، دون أي ضمانات حقيقية بأن هذه العائدات ستخدم سكان القطاع، لا المستثمرين فقط.
إعمار بلا عدالة… استمرار للجريمة
في المحصلة، لا يمكن فصل «مشروع شروق الشمس» عن سياق الدعم الأمريكي المستمر للاحتلال. فإدارة ترامب، التي وفرت غطاءً سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل خلال الحرب، تحاول اليوم إعادة تسويق هذا الدور في شكل مشروع تنموي، يتجاهل الضحايا، ويتجاوز الجريمة، ويكافئ الجناة.
من دون وقف العدوان، ومن دون محاسبة الاحتلال، ومن دون ضمان الحقوق الوطنية للفلسطينيين، يبقى أي حديث عن إعمار غزة مجرد غلاف ناعم لإجرام لم يتوقف، ومحاولة لإعادة إنتاج السيطرة بأدوات اقتصادية بدل العسكرية.
اقرأ أيضًا : بعد تمويل الإمارات الانقلاب عليه… عمران خان يتعرّض للتعذيب بالحبس الانفرادي