دخل المشهد السياسي والحقوقي في تونس مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان إضراب جماعي عن الطعام يشارك فيه سياسيون ومحامون وناشطون، تضامنًا مع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، في خطوة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد تحت حكم الرئيس قيس سعيّد، وسياساته القائمة على القمع وتصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء القضاء.

إضراب احتجاجي ضد الاستبداد

أعلنت جبهة الخلاص الوطني المعارضة مشاركة عدد من أعضاء هيئتها التنفيذية وأنصارها في إضراب جماعي عن الطعام يبدأ الاثنين، تضامنًا مع المحامي والوزير الأسبق العياشي الهمامي، وجميع المعتقلين السياسيين. ووصفت الجبهة هذه الخطوة بأنها فعل نضالي سلمي في مواجهة ما اعتبرته “سياسات تجريم العمل السياسي والمدني والكلمة الحرة”، وتحويل السجون إلى أداة لإسكات المعارضين.

وأكدت الجبهة في بيانها أن المعتقلين السياسيين حوّلوا زنازينهم إلى ساحات نضال ضد الاستبداد، في إشارة إلى إصرارهم على مقاومة القمع رغم ظروف الاحتجاز القاسية، معتبرة أن الإضراب عن الطعام بات أحد آخر أشكال الاحتجاج المتاحة في ظل إغلاق المجال العام وقمع الحريات.

محامون في مواجهة السلطة

بالتوازي مع ذلك، أعلن عشرات المحامين التونسيين الدخول في إضراب جماعي عن الطعام، تضامنًا مع المعتقلين وسجناء الرأي، ورفضًا لما وصفوه بمحاكمات غير عادلة تُدار بإملاءات سياسية. ووقّع البيان 32 محاميًا، من بينهم عميدا المحامين السابقان عبد الرزاق الكيلاني وشوقي الطبيب، في خطوة تحمل دلالة رمزية قوية، إذ تعكس وصول القمع إلى قلب مهنة يفترض أنها خط الدفاع الأول عن العدالة وسيادة القانون.

الإضراب الذي يبدأ الاثنين، يأتي أيضًا دعمًا لإضراب أعلنه العياشي الهمامي، ومعه عدد من السجناء السياسيين، لمدة ثلاثة أيام، احتجاجًا على سلب حريتهم واحتجازهم بقرارات قضائية وصفت بأنها صادرة عن قضاء فاقد للاستقلالية وخاضع للسلطة التنفيذية.

العياشي الهمامي.. رمز الاستهداف

العياشي الهمامي، الذي شغل سابقًا منصب وزير حقوق الإنسان ورئاسة الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية، أُوقف مطلع الشهر الجاري لتنفيذ حكم قضائي بسجنه خمس سنوات، بتهم من بينها “التآمر على أمن الدولة”. ويعتبر معارضون أن اعتقاله يحمل رسالة واضحة لكل من تبقى من الأصوات الحقوقية والسياسية المستقلة، مفادها أن لا حصانة لأحد في عهد قيس سعيّد.

قضية الهمامي ليست معزولة، بل تأتي في سياق حملة أوسع بدأت مطلع عام 2023، حين شنت السلطات حملة اعتقالات طالت سياسيين معارضين ومحامين وناشطين في المجتمع المدني، ووجهت إليهم تهم فضفاضة مثل “المساس بالنظام العام”، و”تقويض أمن الدولة”، و”التخابر مع جهات أجنبية”، و”التحريض على الفوضى”، وهي تهم ترى المعارضة أنها تُستخدم كسلاح سياسي لتصفية الخصوم.

أحكام ثقيلة ورسائل تخويف

وأواخر الشهر الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف في تونس أحكامًا بالسجن تراوحت بين خمس سنوات وخمس وأربعين سنة بحق عدد من المتهمين في قضايا “التآمر”. ومن بين المدانين شخصيات سياسية بارزة، مثل رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، والقيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، والوزير الأسبق غازي الشواشي.

هذه الأحكام الثقيلة اعتبرتها المعارضة رسالة تخويف واضحة تهدف إلى كسر أي إرادة مقاومة، وترسيخ مناخ الخوف، وإفراغ الحياة السياسية من مضمونها، في إطار مشروع استبدادي يسعى قيس سعيّد من خلاله إلى إحكام السيطرة الكاملة على الدولة والمجتمع.

روايتان متناقضتان

في المقابل، تواصل السلطات التونسية التأكيد على أن المتهمين حوكموا في قضايا جنائية، وأن القضاء مستقل ولا يخضع لأي تدخل سياسي. غير أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع يراه المعارضون مختلفًا تمامًا، حيث يعتبرون أن القضاء جرى إخضاعه بشكل ممنهج للسلطة التنفيذية منذ قرارات قيس سعيّد الاستثنائية، التي عطّل بها البرلمان، وغيّر تركيبة المؤسسات، وضيّق الخناق على القضاة المستقلين.

تونس أمام مفترق خطير

الإضراب الجماعي عن الطعام، الذي يجمع سياسيين ومحامين وناشطين، يمثل مؤشرًا خطيرًا على وصول الأزمة التونسية إلى مرحلة غير مسبوقة. فحين يلجأ المدافعون عن القانون والسياسة السلمية إلى تجويع أجسادهم احتجاجًا، فهذا يعني أن كل قنوات التعبير الأخرى أُغلقت.

ما يحدث اليوم في تونس يعكس تصاعد إجرام سياسي تقوده السلطة، وعلى رأسها قيس سعيّد، ضد معارضيه، ويضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو استبداد مكتمل الأركان، أو انفجار سياسي واجتماعي قد تكون كلفته باهظة على مستقبل الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضًا : حملة إسرائيل المتصاعدة للسيطرة على الضفة.. أين محمود عباس؟