تشهد الضفة الغربية المحتلة واحدة من أخطر المراحل في تاريخها، مع تصاعد غير مسبوق في سياسة الاستيلاء على الأراضي وتوسيع الاستيطان، في مسار منظم يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين وتقويض أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية دون أي تحرك من رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن.
هذه العملية لا تجري دفعة واحدة، بل تتقدم تدريجيًا، قرية بعد قرية، وبستان زيتون بعد آخر، في مشهد يعكس مشروعًا طويل الأمد لإعادة رسم الجغرافيا بالقوة.
التوسع الاستيطاني لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تشمل العنف الميداني، والحصار، والعزل، واستخدام القوانين العسكرية لشرعنة السيطرة على الأرض. الفلسطينيون، خصوصًا المزارعين، يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع مستوطنين متطرفين يسعون لفرض واقع جديد، غالبًا تحت نظر الجيش الإسرائيلي أو بحمايته غير المباشرة، ما يجعل الاعتداءات جزءًا من الحياة اليومية لا استثناءً طارئًا.
عنف المستوطنين كأداة تهجير
في قلب هذه الحملة، يبرز دور المستوطنين كقوة تنفيذ ميدانية للمشروع الاستيطاني. الاعتداءات لا تقتصر على تخريب المحاصيل أو سرقة المياه، بل تشمل اقتحام المنازل ليلًا، ورعي الأغنام قسرًا في بساتين الزيتون، والاعتداء الجسدي على أصحاب الأرض، وصولًا إلى القتل. هذه الممارسات تُستخدم لإرهاب السكان ودفعهم تدريجيًا إلى ترك أراضيهم، في تهجير بطيء لا يحمل صفة القرار الرسمي لكنه يحقق النتيجة نفسها.
يتزامن هذا العنف مع شق طرق جديدة وإقامة بؤر استيطانية غير قانونية تتحول لاحقًا إلى مستوطنات دائمة. ومع كل بؤرة جديدة، تُفرض قيود إضافية على القرى الفلسطينية المجاورة، وتُغلق الطرق، وتُقام الحواجز، ويُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم بحجج “أمنية”، في حين تُمنح المستوطنات حماية كاملة وحرية حركة مطلقة.
البؤر الاستيطانية وإعادة هندسة الضفة
النمط المتكرر في الضفة يبدأ بخيام أو مقطورات يقيمها المستوطنون على التلال، يتبعها تصاعد في الاعتداءات، ثم تدخل عسكري يفرض أوامر إخلاء على الفلسطينيين، أو يعزل القرى عن محيطها. بمرور الوقت، تتحول هذه البؤر إلى مستوطنات معترف بها، بينما تتفكك القرى الفلسطينية المحيطة بسبب هدم المنازل، وإغلاق المدارس، وقطع سبل الرزق.
قرى وسط وشمال الضفة تقدم نماذج واضحة لهذا المسار، حيث تحولت تجمعات كانت نابضة بالحياة إلى مناطق محاصرة، يدفع سكانها إلى مساحات أصغر، ويفصلون عن أراضيهم الزراعية التي تشكل عماد حياتهم الاقتصادية. هذا التفريغ القسري لا يحدث دفعة واحدة، لكنه يراكم واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه.
تصعيد غير مسبوق بعد الحرب
منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 2022، تسارعت وتيرة الاستيطان بشكل ملحوظ، وازدادت حدتها بعد اندلاع الحرب في غزة. خلال عامين فقط، أُقيمت عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بالعقود السابقة. بالتوازي، جرى هدم آلاف المنشآت الفلسطينية خلال عام واحد، بما في ذلك قرى بدوية أُجبر سكانها على الفرار بعد هجمات عنيفة نفذها مستوطنون بمساندة جنود.
هذا التصعيد ترافق مع ارتفاع كبير في عدد هجمات المستوطنين، التي بلغت ذروتها خلال مواسم حساسة مثل قطاف الزيتون، وهي فترة قصيرة يعتمد عليها آلاف المزارعين لتأمين دخلهم السنوي. منع الوصول إلى الأرض في هذه الفترة لا يعني فقط خسارة محصول، بل تهديدًا مباشرًا لاستمرار الوجود الفلسطيني ذاته.
الأوامر العسكرية كغطاء قانوني
إلى جانب العنف الميداني، تُستخدم الأوامر العسكرية وتصنيفات الأراضي كأدوات مركزية لحرمان الفلسطينيين من أراضيهم، حتى في الحالات التي يمتلكون فيها وثائق ملكية رسمية. يُمنع المزارعون من الحصاد لأشهر، وتُغلق المناطق بقرارات مؤقتة تتحول فعليًا إلى دائمة، في نظام قانوني مزدوج يمنح المستوطنين الامتيازات، ويضع الفلسطينيين تحت حكم عسكري قاسٍ.
خيانة القيادة وصمت السلطة
في مواجهة هذا المشروع، يبرز الدور السلبي للقيادة الفلسطينية الرسمية، وعلى رأسها محمود عباس، الذي واصلت سلطته التنسيق الأمني والرهان على مسار تفاوضي ميت، بينما تُنهب الأرض وتُهجر القرى. هذا الصمت، الذي يرقى إلى الخيانة الوطنية، منح الاحتلال الوقت والمساحة لتثبيت وقائع جديدة، وترك الفلسطينيين يواجهون مصيرهم وحدهم في القرى المحاصرة.
واقع يتجه نحو اللاعودة
ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل حملة متكاملة لإعادة تشكيل الأرض والديموغرافيا بالقوة. ومع استمرار الاستيطان، وتصاعد العنف، وتواطؤ الجيش، وصمت السلطة، تتآكل فكرة الدولة الفلسطينية على الأرض يومًا بعد يوم. السؤال لم يعد إن كان هذا المسار سيتوقف، بل إلى أي مدى سيستمر قبل أن تصبح الضفة واقعًا استيطانيًا كاملًا بلا أي أفق سياسي.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يصعّد في الضفة بشكل غير مسبوق: اقتحامات واعتقالات وإجرام مفتوح