في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان منظماتٍ إرهابية، وفرض عقوبات مباشرة على الكيانات والأفراد المرتبطين بها. القرار، الذي قُدِّم رسميًا باعتباره جزءًا من «الحرب على الإرهاب»، أثار جدلًا واسعًا واعتُبر لدى مراقبين امتدادًا لنهج قمعي لا يستهدف جماعات بعينها بقدر ما يعكس رؤية أمنية شاملة تقوم على تجريم الخصوم السياسيين وإرضاء الحلفاء الإقليميين.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن هذه الإجراءات «خطوات أولى لإحباط العنف الذي تقوم به فروع الإخوان المسلمين»، مؤكدًا أن واشنطن ستستخدم «جميع الأدوات المتاحة» لحرمان تلك الفروع من الموارد. غير أن الصياغة ذاتها أعادت إلى الأذهان الخطاب الذي تستخدمه أنظمة سلطوية في الشرق الأوسط، حيث يُخلط العمل السياسي والدعوي بالعنف المسلح، وتُستَخدم تهمة «الإرهاب» كغطاء قانوني لتصفية الخصوم.

تصنيفات متفاوتة ورسائل سياسية
وفق ما أُعلن، صنّفت وزارة الخارجية الأميركية الفرع اللبناني «منظمة إرهابية أجنبية»، وهو أشد التصنيفات القانونية، إذ يجرّم أي دعم مادي ويُعرّض المخالفين لملاحقات جنائية. في المقابل، أدرجت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني على قائمة «المنظمات الإرهابية العالمية» بدعوى دعمهما لحركة حركة المقاومة الإسلامية حماس.
هذا التدرّج في التصنيف لا يبدو قانونيًا بحتًا، بل يعكس حسابات سياسية. فالضغط الأقصى على الساحة اللبنانية يأتي في ظل التوترات الإقليمية، بينما يمنح التصنيف في مصر والأردن غطاءً دوليًا لسياسات داخلية تقوم أصلًا على إقصاء الإسلاميين وتجريم أي معارضة منظمة، حتى لو كانت سلمية.
تمهيد قانوني وسياق متصاعد
القرار لم يكن مفاجئًا. ففي 25 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا كلّف فيه وزيري الخارجية والخزانة بإعداد تقرير خلال 45 يومًا حول تصنيف فروع الإخوان، ما مهّد للمسار الحالي. البيت الأبيض برّر الخطوة بالقول إن الرئيس «يواجه شبكة عابرة للحدود تغذّي الإرهاب وتزعزع الاستقرار»، رابطًا القرار بأحداث ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة.
البيان الرسمي ذهب إلى حدّ اتهام الفرع اللبناني بالمشاركة في هجمات مشتركة مع حزب الله وفصائل فلسطينية، وادعى أن قيادات في مصر والأردن قدّمت دعمًا لحماس. غير أن منتقدين يشيرون إلى غياب الشفافية القضائية، وإلى أن واشنطن اعتمدت روايات سياسية أكثر من اعتمادها على أحكام قضائية مستقلة، ما يفتح الباب واسعًا أمام تسييس مفهوم «الإرهاب».
قمع داخلي يُصدَّر للخارج
لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الداخلي الأميركي. فقد سبقه قيام ولايتي تكساس وفلوريدا بإصدار أوامر تنفيذية صنّفت جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية CAIR منظماتٍ إرهابية، ما دفع «كير» إلى رفع دعاوى قضائية للطعن في تلك القرارات. هذا المسار يعكس—بحسب منظمات حقوقية—نزعة متصاعدة لتجريم العمل المدني والسياسي للمسلمين داخل الولايات المتحدة نفسها، وإعادة إنتاج مناخ «الحرب على الإرهاب» بصيغة أكثر حدّة واستهدافًا.
خدمة الحلفاء لا حماية الأمن
يرى مراقبون أن إدارة ترامب لا تتحرك بدافع أمني خالص، بل في إطار مقايضات سياسية واضحة مع حلفائها في الشرق الأوسط، الذين لطالما سعوا إلى تصنيف الإخوان دوليًا لتبرير سياسات القمع الداخلي. وبدل أن تلعب واشنطن دورًا في التمييز بين العنف والعمل السياسي السلمي، اختارت تعميم الوصم، ما يهدد أي أفق للإصلاح أو المشاركة السياسية، ويدفع نحو مزيد من الاستقطاب والتطرف.
في المحصلة، يبدو أن قرار تصنيف فروع الإخوان في لبنان ومصر والأردن ليس مجرد إجراء قانوني، بل تعبير عن رؤية ترامب للعالم: أمنٌ يُعرَّف بالقوة، وتحالفاتٌ تُدار بالقمع، وحقوقٌ تُؤجَّل باسم «مكافحة الإرهاب». وبينما ترفع الإدارة شعار حماية المصالح الأميركية، يرى كثيرون أن النتيجة الفعلية هي تصدير نموذج القمع، وتعميق الأزمات السياسية في المنطقة، بدل معالجة جذورها.
اقرأ أيضًا : 115 شخصية وقوة سودانية تتهم الإمارات بدعم الميليشيا والمرتزقة وإطالة أمد حرب السودان