في تصعيد سياسي لافت يعكس اتساع دائرة الغضب داخل الأوساط المدنية والسياسية السودانية، سلّمت قوى سياسية وشخصيات قومية وأكاديمية وحقوقية بارزة، اليوم الاثنين، مذكرة رسمية إلى الاتحاد الأفريقي، اتهمت فيها دولة الإمارات بالضلوع المباشر في الحرب الدائرة بالسودان، عبر دعم ميليشيا الدعم السريع واستقدام مرتزقة أجانب، معتبرة أن هذا الدور أسهم في إطالة أمد الصراع ونسف أي فرص حقيقية للسلام.
وجاءت المذكرة موقعة من 25 كيانًا سياسيًا وتنظيمًا أهليًا، إلى جانب نحو 115 شخصية قومية وأكاديمية وناشطين حقوقيين وإعلاميين، في خطوة تعكس اتساع جبهة الرفض الشعبي والسياسي لأي تسوية تتجاهل الدور الخارجي، وفي مقدمته الدور الإماراتي، في إعادة إنتاج الحرب.
ومن بين القوى الموقعة: حزب الأمة القومي، والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، وتحالف قوى الحراك الوطني، وتنسيقية قبائل المسيرية، وتحالف قوى جبال النوبة، وتجمع أبناء شرق السودان، إلى جانب تنظيمات مدنية ولجان مقاومة.

رد على محاولات «شرعنة الميليشيا»
وُجّهت المذكرة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي وأعضاء مجلس السلم والأمن الأفريقي، بوصفها ردًا مباشرًا على مذكرة سابقة رفعها تحالف «صمود» مطلع يناير/كانون الثاني الجاري. واعتبر الموقعون أن تلك المذكرة السابقة تنطوي على «انتحال لتمثيل القوى المدنية السودانية»، وتسعى – وفق تعبيرهم – إلى فرض مسارات سلام تخدم أجندات خارجية، وتطبع الأمر الواقع الذي فرضته ميليشيا الدعم السريع بالقوة المسلحة.
وأكدت القوى الموقعة أن ما يجري ليس خلافًا تقنيًا حول آليات التفاوض، بل صراعًا على جوهر الدولة السودانية وسيادتها، محذّرة من أن القبول بأي مبادرات تتجاهل الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها الميليشيا، يفتح الباب أمام شرعنة العنف وتفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة.
اتهام مباشر للإمارات
وذهبت المذكرة إلى أبعد من ذلك، باتهام الإمارات بالضلوع المباشر في دعم ميليشيا قوات الدعم السريع، سواء عبر الإسناد اللوجستي أو السياسي أو عبر شبكات المرتزقة العابرة للحدود. وأشارت إلى أن هذا الدور لم يعد محل جدل أو تكهنات، بل تناولته تقارير موثقة لمنظمات حقوقية دولية وتحقيقات صحفية عالمية، إضافة إلى تصريحات لسياسيين أميركيين بارزين.
واعتبر الموقعون أن تجاهل الاتحاد الأفريقي لهذا الدور يمثل «تقاعسًا خطيرًا»، لا ينسجم مع مبادئه المعلنة في حماية السلم والأمن في القارة، محذرين من أن الصمت الأفريقي يوفّر غطاءً سياسيًا لاستمرار التدخلات الخارجية وتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
تفريغ الخطاب المدني من مضمونه
وانتقدت المذكرة ما وصفته بمحاولات تحالف «صمود» الترويج لمبادرات غير محايدة، تقلل من حجم الانتهاكات التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع، وتتعامل مع سيطرتها المسلحة على المدن كأمر واقع قابل للتطبيع. ورأى الموقعون أن هذا النهج يفرغ الخطاب المدني والديمقراطي من مضمونه، ويحوّله إلى مظلة سياسية لإدامة الحرب، بدلًا من أن يكون أداة لحماية المدنيين ووقف نزيف الدم.
وأكدت القوى الموقعة أن أي عملية سلام جادة لا يمكن أن تنطلق قبل انسحاب ميليشيا الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية، وتفكيك بنيتها العسكرية، وإدانة استقدام المرتزقة الأجانب. كما حذّرت من أن القبول بسيطرة الميليشيا في مناطق واسعة من البلاد يكرّس اقتصاد حرب افتراسيًا قائمًا على النهب والتطهير العرقي، ويمهّد لتقسيم فعلي للسودان.
رسالة إلى الاتحاد الأفريقي
ودعت المذكرة الاتحاد الأفريقي إلى تبني موقف واضح وصريح يرفض التدخلات الخارجية، ويمنع تحويل الوساطات الأفريقية إلى أدوات لتثبيت نفوذ إقليمي أو إعادة إنتاج أنماط استعمار بالوكالة. وشددت على أن حماية المدنيين، وتطبيق سيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، يجب أن تسبق أي ترتيبات سياسية أو محاصصات للسلطة.
وختم الموقعون رسالتهم بالتأكيد على أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى تحت وصاية إقليمية أو عبر تسليح الميليشيات والمرتزقة، مطالبين الاتحاد الأفريقي بالانحياز إلى الشعب السوداني وقيمه، والدفاع عن حقه في السيادة الكاملة وتقرير مصيره بعيدًا عن أجندات السلاح والمال العابر للحدود.
اقرأ أيضًا : جريمة إماراتية جديدة بالوكالة.. ميليشيا الدعم السريع تقصف مستشفيات جنوب كردفان وتدفع كادوقلي إلى نزوح جديد