أقدمت مجموعات متطرفة من المستوطنين الإسرائيليين، على ارتكاب جريمة بيئية واقتصادية جديدة تضاف إلى سجل إجرام الاحتلال المتواصل، بإضرام النيران عمداً في مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية المزروعة بالقمح وأشجار الزيتون غربي مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة. وجرت هذه الاعتداءات الوحشية تحت حماية عسكرية مشددة وفّرتها قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تكتف بتأمين هجوم المستوطنين، بل قمعت الأهالي والمزارعين الفلسطينيين ومنعتهم بالقوة من التصدي للحريق أو محاولة إنقاذ محاصيلهم الاستراتيجية، مما أدى إلى تحول مئات الدونمات إلى رماد وسط أجواء مشحونة بالتوتر والمواجهات الميدانية.
ونقلت قنوات إعلامية عن أحد المزارعين المتضررين في المنطقة مشاهد صادمة لطبيعة الاعتداء الصهيوني المخطط؛ حيث أفاد بأن المستوطنين تعمدوا استخدام “منفاخ هواء” ميكانيكي لزيادة اشتعال النيران وتسريع انتشارها في حقول القمح الجافة لضمان إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية بالبنية الغذائية للمواطنين. وأضاف الشاهد أن قوات الاحتلال بادرت بإطلاق قنابل الغاز السام والمسيل للدموع تجاه العائلات الفلسطينية التي هرعت لإطفاء الحريق، واعتقلت ثلاثة شبان واعتدت على آخرين لإجبارهم على التراجع وترك أراضيهم تلتهمها النيران.
![]()
حرب تجويع موازية ومصادرات ممنهجة لإفراغ الأرض من أصحابها
تندرج هذه الجريمة الفجة ضمن سياسة العقاب الجماعي وحرب التجويع الموازية التي يشنها الاحتلال ومستوطنوه ضد الوجود الفلسطيني في الريف والبلدات المحيطة بالخليل، وبخاصة منذ انطلاق حرب الإبادة الشاملة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ إذ أوضح أهالي المنطقة أن اعتداءات المستوطنين تصاعدت لتشمل مصادرة الأراضي قسراً، وسرقة الأغنام والمواشي، وتدمير الآبار الارتوازية، بهدف تضييق سبل العيش ودفع السكان الأصليين نحو الهجرة القسرية لصالح التوسع الاستيطاني غير الشرعي.
وعكست المقاطع المصورة المسربة من ميدان الجريمة حجم الفوضى والبلطجة التي يمارسها المستوطنون الفاشيون؛ حيث سُمعت أصوات صراخ العائلات وصفارات الإنذار تتداخل مع أوامر عسكرية باللغة العبرية أطلقها جنود الاحتلال لإبعاد المزارعين والصحفيين من محيط الأراضي المحترقة، في محاولة للتغطية على التواطؤ العضوي بين المنظومة العسكرية الرسمية وعصابات المستوطنين التي باتت تتحرك كأذرع تنفيذية غير نظامية لتصفية الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة “ج”.
صمود شعبي في وجه الحصار ومطالبات دولية بوقف الإرهاب الصهيوني
أمام هذا المشهد المأساوي لتفحم حقول القمح التي تشكل عصب الاقتصاد الريفي في الخليل، أطلق المزارعون الفلسطينيون نداءات استغاثة عاجلة للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والزراعية حول العالم، لمطالبتهم بالخروج عن صمتهم المخزي واتخاذ مواقف جادة وفعلية لحماية المدنيين وأراضيهم من تغول الإرهاب الاستيطاني؛ ومؤكدين في الوقت ذاته تمسكهم المطلق بالبقاء والشهادة فوق أرضهم، وإعادة زراعة ما دمره الاحتلال رفضا لسياسات الأمر الواقع.
وتكشف الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي الفلسطيني عن حجم النزيف الإنساني والمادي الذي تكبدته الضفة الغربية جراء التصعيد الصهيوني الشامل؛ حيث أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين حتى أواخر مايو/ أيار الماضي عن ارتقاء 1168 شهيداً، وإصابة أكثر من 12 ألفاً و666 مواطناً، إلى جانب حملات اختطاف واسعة طالت قرابة 23 ألف معتقل، وتهجير ما يزيد عن 33 ألف فلسطيني من قراهم وتجمعاتهم البدوية.
منظومة إجرام متكاملة تسحق القوانين والمواثيق الدولية
تثبت حادثة إحراق قمح الخليل بالمنفاخ وتحت ظلال البنادق أن الكيان الصهيوني يدار بعقلية الميليشيا والعصابات المنظمة، حيث يتم تبادل الأدوار بدقة بين المستوطن الذي يشعل الفتيل، والجندي الذي يحميه، والقاضي الذي يمنحه الحصانة القضائية من المحاسبة؛ إن استهداف السلال الغذائية والمحاصيل الزراعية الأساسية كالقمح والزيتون يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة ويرقى إلى مستوى جرائم الحرب التي تستوجب ملاحقة قادة الاحتلال ورؤساء مجالس المستوطنات أمام محكمة الجنايات الدولية.
وفي المحصلة، فإن ألسنة اللهب التي التهمت مئات الدونمات في الخليل لن تفلح في إحراق الإرادة الفلسطينية أو كسر ارتباط المزارع بأرضه التاريخية؛ إن لجوء الاحتلال الغاشم إلى أساليب الحرق والتدمير والتجويع يعكس عجزه البنيوي عن مواجهة الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، ويثبت للعالم أجمع أن هذا الكيان الاستعماري لا يفهم لغة السلام، وأنه يشكل بؤرة للإرهاب والدمار تستهدف سحق الحياة الإنسانية والبيئية في فلسطين المحتلة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين