في مشهد سياسي متصاعد، خرج وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بتصريحات جريئة اتهم فيها الاتحاد الأوروبي بالصمت المطبق تجاه المجازر الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، مؤكدا أن بلاده ستقود تحركًا دوليًا لاتخاذ خطوات ملموسة لوقف نزيف الدم الفلسطيني. 

هذه التصريحات لم تأت من فراغ، بل جاءت في سياق غضب شعبي متزايد في أوروبا، وضغوط داخلية على الحكومات الأوروبية بسبب ازدواجية المعايير بين ما يحدث في غزة وما يُتخذ من مواقف صارمة تجاه الحرب في أوكرانيا.

احتجاجات الشارع تنعكس في السياسة

تصريحات ألباريس ترافقت مع موقف لافت خلال أزمة سباق “لا فويلتا” للدراجات الهوائية في مدينة بلباو، حيث أربكت احتجاجات مؤيدة لفلسطين المرحلة الحادية عشرة من السباق، وأجبرت المنظمين على إلغائها قبل خط النهاية. تركّزت هذه الاحتجاجات على فريق “إسرائيل – بريمير تيك” الذي يشارك رسميا في الطواف، إذ يعتبره المتظاهرون رمزًا للتطبيع الرياضي مع الاحتلال.

رد الوزير الإسباني كان صريحًا: فهو أبدى تفهمه وتأييده لفكرة إبعاد الفريق الإسرائيلي من المنافسة، قائلاً إن “أوروبا وإسرائيل لا يمكن أن تحتفظا بعلاقات طبيعية إلا في ظل احترام حقوق الإنسان”. بهذا التصريح، وجه رسالة مزدوجة: الأولى للداخل الإسباني الذي يطالب بموقف حازم، والثانية إلى الأوروبيين الذين يترددون في اتخاذ خطوات مؤثرة ضد تل أبيب.

ورغم محاولات مدير السباق خافيير غيلين تصوير الاحتجاجات على أنها “أعمال عنف”، إلا أن الحكومة الإسبانية سارعت إلى نفي هذا الوصف، حيث أكدت وزيرة الشباب سيرا ريغو أن التظاهر السلمي ضد فريق مدعوم من دولة متهمة بجرائم حرب لا يمكن اعتباره عملا عنيفًا. هذا التباين يعكس انقسامًا واضحًا بين الخطاب الرسمي الإسباني المائل إلى النقد، والخطاب المؤسسي الأوروبي الذي يميل إلى الحياد المزعوم.

مدريد تكسر الطوق الأوروبي

موقف وزير الخارجية الإسباني لم يكن معزولًا؛ إذ سبقه تصريح لرئيس الوزراء بيدرو سانشيز الذي اعتبر أن “رد أوروبا على حرب غزة كان فاشلاً”، مضيفًا أن المعايير المزدوجة بين غزة وأوكرانيا تهدد بتقويض مكانة الغرب عالميًا.

سانشيز شدد على أن انقسام دول الاتحاد الأوروبي حول كيفية التأثير على إسرائيل غير مقبول، مشيرًا إلى أن بلاده ستواصل الدفع باتجاه الاعتراف بدولة فلسطينية، في محاولة لتصحيح المسار السياسي الأوروبي. هذا الموقف يجعل إسبانيا في طليعة الدول الأوروبية التي تحاول الانتقال من دائرة “البيانات الدبلوماسية” إلى خطوات عملية، مثل الضغط لوقف التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية المتورطة في الحرب.

أوروبا بين الصمت والازدواجية

من الواضح أن تصريحات مدريد تأتي في لحظة تشهد فيها أوروبا أزمة أخلاقية وسياسية مزدوجة. فمن جهة، تقدم دعمًا غير مشروط لأوكرانيا في حربها مع روسيا، ومن جهة أخرى تتجاهل – أو تقلل من شأن – الجرائم الموثقة التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في غزة. هذا التناقض لا يمر مرور الكرام، بل يُستغل في الإعلام العالمي لإظهار هشاشة الخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان.

كما أن الاحتجاجات الشعبية في إسبانيا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، تؤكد أن الشارع الأوروبي بدأ يفقد ثقته في روايات الحكومات التي تساوي بين الضحية والجلاد. ومع تصاعد المظاهرات المؤيدة لفلسطين، بات من الصعب على السياسيين الأوروبيين تجاهل الضغط الشعبي المتزايد.

قراءة في التحول الإسباني

يمكن القول إن موقف إسبانيا يعكس تحولًا تدريجيًا في السياسة الأوروبية تجاه الاحتلال. فمدريد، التي لطالما تبنت سياسات معتدلة داخل الاتحاد الأوروبي، اختارت هذه المرة لعب دور “القاطرة السياسية” التي تحاول جر بقية العواصم نحو موقف أكثر وضوحًا.

هذا التحول قد يكون مرتبطًا بعدة عوامل:

  1. الضغط الشعبي الداخلي الذي يرى في الحرب على غزة مأساة إنسانية لا يمكن السكوت عنها.

  2. الاعتبارات السياسية الدولية، حيث ترغب إسبانيا في تعزيز موقعها الدبلوماسي عبر تبني خطاب أخلاقي يعزز من صورتها كمدافع عن حقوق الإنسان.

  3. الصراع داخل الاتحاد الأوروبي بين تيار يصر على التمسك بالعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، وتيار آخر يسعى لتبني مواقف أكثر توازنًا.

خاتمة: بداية معركة أوروبية جديدة؟

تصريحات وزير الخارجية الإسباني ليست مجرد انتقاد عابر، بل قد تشكل بداية لمعركة سياسية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. فإما أن يستجيب الاتحاد للضغط الإسباني والشعبي عبر تبني مواقف عملية ضد الاحتلال، أو يستمر في سياسة المماطلة التي قد تؤدي إلى تآكل شرعيته الأخلاقية عالميًا.

في كل الأحوال، تبدو إسبانيا اليوم وكأنها قررت كسر حاجز الصمت الأوروبي، وتوجيه رسالة قوية مفادها أن التطبيع مع الاحتلال لن يمر دون محاسبة سياسية وشعبية. وإذا ما نجحت مدريد في استقطاب مزيد من العواصم الأوروبية، فقد نشهد تحولا في المعادلة الدبلوماسية التي لطالما مالت لصالح تل أبيب.

بهذا، يتحول الملف الفلسطيني من مجرد قضية إنسانية إلى اختبار حقيقي لمصداقية أوروبا، واختبار آخر لقدرة إسبانيا على لعب دور قيادي في إعادة صياغة السياسات الأوروبية تجاه الاحتلال.

اقرأ أيضًا : الشاباك يدق ناقوس الخطر: انهيار وشيك للسلطة الفلسطينية يهدد أمن الضفة واستقرار الاحتلال