في خطوة اعتبرها كثيرون تصعيداً سياسياً ودبلوماسياً ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، مساء الأربعاء، عن إرسال سفينة حربية من قاعدة قرطاجنة البحرية لتأمين وحماية “أسطول الصمود” المتجه نحو قطاع غزة، بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة تعرض لها الأسطول خلال إبحاره في شرق المتوسط. 

القرار الإسباني جاء متزامناً مع تحرك مماثل من إيطاليا، ما يعكس بداية اصطفاف أوروبي جديد حول حماية التحركات الشعبية الدولية المناهضة للحصار الإسرائيلي على غزة.

خلفية القرار الإسباني: حماية مواطنين وفرض للقانون الدولي

سانشيز أوضح في منشور على منصة “إكس” أن حكومته تتحرك “امتثالاً للقانون الدولي” ولضمان حق مواطنيها في “الإبحار الآمن” بالبحر الأبيض المتوسط. وشدد على أن سفينة عمليات بحرية مجهزة بكافة الموارد ستبحر خلال ساعات “تحسباً لضرورة تقديم المساعدة وتنفيذ أي عملية إنقاذ”. 

هذا الموقف يعكس وعياً متزايداً في مدريد بأن ما يجري ضد أسطول الصمود ليس مجرد حادث عابر، بل اعتداء متعمد يهدد سلامة مواطنين أوروبيين يمارسون شكلاً من أشكال الاحتجاج السلمي.

من زاوية أخرى، يبدو أن الخطوة الإسبانية تحمل أبعاداً داخلية كذلك. فسانشيز يواجه ضغطاً من أحزاب اليسار وحركات المجتمع المدني الداعمة للقضية الفلسطينية، وقد وجد في هذه الخطوة فرصة لإظهار انحيازه لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في وقت يتهم فيه الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ أو الصمت أمام جرائم الاحتلال في غزة.

موقف إيطاليا: من الإدانة إلى التحرك العسكري

إيطاليا لم تكتفِ بالإدانة، بل أرسلت فرقاطة متعددة الأغراض تابعة لبحريتها، “فاسان”، المتمركزة شمال جزيرة كريت، باتجاه المنطقة. وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو، رغم انتمائه لتيار يميني قومي، شدد على أن الهجوم على الأسطول “يمثل انتهاكاً صارخاً لحق الاحتجاج السلمي الذي تكفله الأنظمة الديمقراطية”. هذه المفارقة تثير الانتباه: فحتى الحكومات الأوروبية المحسوبة على اليمين الشعبوي تجد نفسها مضطرة للتدخل عندما يتعلق الأمر بحماية مواطنيها من تهديدات تبدو مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو حلفائه.

إدانة كروزيتو للهجوم لم تخلُ من اتهام مبطن، إذ وصف منفذي الاعتداء بأنهم “مجهولون”، في إشارة واضحة إلى أن الجهة الحقيقية وراء استخدام الطائرات المسيّرة ما زالت محل إنكار رسمي، رغم أن كل المؤشرات تشير إلى بصمات إسرائيلية واضحة.

تفاصيل الهجوم: طائرات مسيّرة وتشويش اتصالات

“أسطول الصمود العالمي” أكد في بيان أن عدداً من الطائرات المسيّرة أسقطت أجساماً مجهولة على السفن، تسببت في انفجارات وتشويش على الاتصالات. عضو الأسطول المغاربي نبيل الشنوفي أوضح لـ”عربي21″ أن إحدى السفن فقط تعرضت لأضرار، وهي قيد الإصلاح، فيما تواصل باقي السفن مسيرها باتجاه غزة، مع تقدير بوصولها خلال ثلاثة إلى أربعة أيام.

هذه التفاصيل تعكس محاولة منظمة لردع الأسطول عبر وسائل عسكرية متطورة، وهو ما يتجاوز مجرد تهديد معنوي إلى مستوى “الاعتداء المسلح”، خصوصاً أن المشاركين في القافلة ليسوا سوى ناشطين مدنيين وصحفيين ومتضامنين دوليين يحملون مساعدات إنسانية لقطاع غزة المحاصر منذ نحو عقدين.

أبعاد سياسية ودبلوماسية

التحرك الإسباني والإيطالي يطرح أسئلة مهمة حول مستقبل الموقف الأوروبي من حصار غزة. فمنذ اندلاع حرب الإبادة في القطاع عام 2023، اتُهم الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير، حيث اكتفى ببيانات “قلق” بينما واصل التعاون العسكري مع إسرائيل. لكن اليوم، باتت الاعتداءات على مواطنيه داخل المتوسط تدفع حكومات أوروبية لاتخاذ خطوات عملية، حتى وإن كانت ذات طابع محدود، مثل إرسال سفن للحماية والإنقاذ.

هذا التحرك قد يشكل سابقة: فإذا تصاعدت الاعتداءات على الأسطول، فقد نجد مزيداً من الدول الأوروبية مضطرة إلى التدخل، ما يحول “أسطول الصمود” من مجرد مبادرة مدنية إلى قضية دولية تُحرج إسرائيل في المحافل الأممية.

دلالات للمقاومة الفلسطينية والرأي العام الدولي

من زاوية فلسطينية، يمثل إرسال سفن أوروبية لحماية “أسطول الصمود” اختراقاً سياسياً ومعنوياً مهماً. إذ لم يسبق أن قامت حكومات غربية بتحرك مباشر لحماية مبادرات مدنية متجهة إلى غزة. كما أن هذه الخطوة ستسهم في رفع الوعي الشعبي الأوروبي بالقضية، خصوصاً أن وسائل الإعلام باتت تغطي الحدث بشكل يومي، مع التركيز على المخاطر التي يواجهها متطوعون مدنيون في سبيل كسر الحصار.

أما بالنسبة للرأي العام الدولي، فإن الرسالة واضحة: حصار غزة لم يعد شأناً فلسطينياً فقط، بل صار قضية إنسانية وأخلاقية عالمية، يدفع ثمنها متضامنون من مختلف القارات.

الاحتلال في مأزق: ردع بالقوة أم مواجهة دبلوماسية؟

المفارقة أن الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه الآن في مأزق مزدوج. فمن جهة، أي هجوم إضافي على الأسطول قد يدفع لمواجهة مباشرة مع سفن حربية أوروبية، وهو ما قد يفتح الباب لأزمة دبلوماسية عميقة. ومن جهة أخرى، التراجع عن استهداف الأسطول يعني السماح بوصول مساعدات تكسر رمزية الحصار الذي طالما اعتبرته إسرائيل ورقة استراتيجية.

الخيارات أمام تل أبيب تبدو محدودة، خصوصاً في ظل تصاعد الغضب الدولي من المجازر المرتكبة في غزة، وتنامي الأصوات الأوروبية المطالبة بفرض عقوبات أو تعليق صفقات السلاح.

خاتمة: بداية تحوّل أم مجرد استثناء؟

قرار إسبانيا، بعد إيطاليا، إرسال سفن حربية لحماية “أسطول الصمود” يشكل منعطفاً قد يكون بداية لصحوة أوروبية في التعامل مع حصار غزة. لكن السؤال يبقى: هل سيتحول هذا إلى موقف أوروبي موحد يضغط على الاحتلال لإنهاء الحصار، أم أنه سيظل مجرد استثناء ظرفي فرضته الضغوط الشعبية وحسابات داخلية؟

ما هو مؤكد أن “أسطول الصمود” نجح حتى الآن في نقل المعركة إلى قلب البحر الأبيض المتوسط، وتحويلها من قضية إنسانية صامتة إلى اختبار حقيقي لمدى التزام أوروبا بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.

اقرأ أيضا : الإمارات وراء دمار السودان.. قصف بالمدفعية الثقيلة يضرب الفاشر المحاصرة