هزّت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، صباح الثلاثاء، موجات عنيفة من القصف المدفعي العشوائي، نفذتها قوات الدعم السريع ضد أحياء سكنية ومرافق مدنية حيوية. وأكدت مصادر عسكرية لقناة الجزيرة أن الهجوم جاء في إطار تصعيد واسع النطاق، ترافق مع اشتباكات متقطعة مع قوات الجيش السوداني المنتشرة في محاور المدينة الشمالية والجنوبية والشرقية.

وبحسب الشهادات الميدانية، فقد استهدفت القذائف مناطق مأهولة بالمدنيين، بينها حي الدرجة الأولى غربي المدينة، إلى جانب مستشفيات وأسواق ومراكز خدمية. كما أشارت مصادر طبية إلى أن القصف المستمر أدى إلى تدمير أجزاء من البنية الصحية المتداعية أصلاً، ما فاقم من عجز الكوادر الطبية عن استقبال أعداد الجرحى المتزايدة. وتحدثت المصادر عن توقف محطات المياه والكهرباء، وتحول المدينة إلى ما يشبه منطقة منكوبة بلا خدمات أساسية.

كارثة إنسانية غير مسبوقة

الوضع الإنساني في الفاشر يصفه الأهالي بأنه “جحيم كامل”. فقد انقطعت إمدادات الغذاء بشكل شبه كلي نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع منذ أكثر من 500 يوم. ومع توقف غالبية الآبار عن العمل بسبب تخريب أنظمة الطاقة الشمسية أو سرقتها، برز شبح العطش كأحد أخطر التهديدات.

وأفادت مصادر محلية بأن السكان اضطروا لتناول أعلاف الحيوانات لتعويض انعدام الغذاء، في مشهد يعكس انهيار سبل المعيشة. وبلغت تكلفة الوجبة الواحدة، بحسب بعض الأهالي، نحو 35 دولارًا، وهو مبلغ يتجاوز قدرة الغالبية الساحقة من المواطنين الذين يعيشون على ما تبقى من مدخراتهم أو مساعدات نادرة تصل عبر طرق التهريب.

أما القطاع الصحي، فقد دخل مرحلة الانهيار مع غياب الأمصال والأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، مما يعرض حياة آلاف المرضى لخطر الموت البطيء.

جذور الأزمة ومسؤولية الإمارات

الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع خلفت، وفق الأمم المتحدة، أكثر من 20 ألف قتيل ونزوح ما يزيد على 15 مليون شخص، في أكبر موجة تهجير تشهدها البلاد في تاريخها الحديث. غير أن ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا هو تورط قوى إقليمية، على رأسها الإمارات، التي لعبت دورًا محوريًا في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع.

تقارير أممية وإعلامية متعددة أشارت إلى أن أبوظبي وفرت إمدادات لوجستية وعسكرية لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تحت غطاء المساعدات الإنسانية أو الاستثمارات. ويرى مراقبون أن هذا الدعم لم يكن مجرد اصطفاف سياسي، بل استراتيجية أوسع للهيمنة على الموارد السودانية، خاصة الذهب والنفط، إلى جانب استخدام السودان ساحة لتصفية حسابات إقليمية.

ويعتبر ناشطون سودانيون أن “الإمارات ليست داعمًا عرضيًا بل شريكًا مباشرًا في المأساة”، إذ أسهمت أموالها وصفقاتها المشبوهة في إطالة أمد الحرب، وتحويل مدن مثل الفاشر إلى مسرح للدمار.

الفاشر.. مدينة تحت الحصار

الفاشر، التي كانت تاريخيًا مركزًا تجاريًا وحضريًا بارزًا في دارفور، تحولت اليوم إلى سجن كبير. فالحصار المطبق منذ أكثر من 500 يوم قطع أوصالها عن بقية السودان، ودفع نحو 500 ألف شخص إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمنًا.

ورغم صمود بعض الأهالي الذين رفضوا مغادرة بيوتهم، إلا أن الحياة اليومية باتت أقرب إلى كابوس. الأسواق خالية، الأدوية مفقودة، والمستشفيات أشبه بغرف انتظار للموت. أما الأطفال، فباتوا الأكثر عرضة للجوع والمرض، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية وتفشي الأوبئة.

تصعيد بلا أفق للحل

القصف الأخير على الفاشر لا يمثل مجرد حادثة عابرة، بل يندرج ضمن استراتيجية الدعم السريع لإخضاع المدينة وإجبار الجيش على الانسحاب منها. غير أن استمرار المعارك بهذا الشكل ينذر بكارثة إنسانية أشد، خاصة في ظل غياب أي مسار جاد للتسوية السياسية.

المجتمع الدولي اكتفى بإصدار بيانات قلق، فيما تواصل القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، الاستثمار في إطالة أمد الصراع. وبدلاً من الضغط لوقف الحرب، تنغمس هذه القوى في دعم طرف ضد آخر، متجاهلة الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون.

خلاصة

الهجوم المدفعي العنيف على الفاشر يكشف أن السودان ما زال رهينة لمعادلات إقليمية مدمرة، وأن التدخل الإماراتي تحديدًا عمّق المأساة وحوّل البلاد إلى ساحة مستباحة. ومع انعدام الغذاء والماء والدواء، يقف سكان الفاشر على حافة كارثة إنسانية شاملة، فيما العالم يكتفي بالمشاهدة.

لقد بات واضحًا أن أي حل في السودان لا بد أن يمر عبر وقف الدعم الخارجي للمليشيات، ومحاسبة القوى التي ساهمت في تدمير البلاد، وعلى رأسها الإمارات، التي تتحمل مسؤولية تاريخية عن الدماء والدمار الممتدين من الخرطوم إلى الفاشر.

اقرأ أيضًا : القسام تبث رسالة مصورة لأسير إسرائيلي في غزة: رسالة تهز صورة الاحتلال وتؤكد ثبات المقاومة