بينما تتجه أنظار العالم إلى غزة وما يرافقها من حرب دامية، تنفذ حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو، خطة ممنهجة لإحكام قبضتها على الضفة الغربية. صحيفة واشنطن بوست الأميركية، في تقرير موسع أعدته مديرة مكتبها في القاهرة كلير باركر، كشفت أن ما يجري هو خطوات جذرية تؤسس لواقع دائم يصعب التراجع عنه، ويتجاوز كل ما تجرأت عليه الحكومات السابقة بسبب حساسيته السياسية والقانونية.

استيطان متسارع وقرارات غير مسبوقة
أولى ملامح الخطة تتمثل في التوسع الاستيطاني غير المسبوق. فقد صوّت الكنيست هذا العام على قرار رمزي بضم الضفة، في وقت تدرس فيه الحكومة تحويل هذا التصويت إلى واقع قانوني عبر خطوات عملية، رداً على اعتراف دول كبرى بدولة فلسطين.
من بين أبرز الإجراءات إعادة إحياء مشروع E1 شرق القدس، المجمّد منذ ثلاثة عقود، عبر تخصيص مليار دولار لبناء آلاف الوحدات السكنية. المشروع سيقسم الضفة فعلياً إلى قسمين، ويضاعف حجم مستوطنة “معاليه أدوميم”، محاصراً بلدة العيزرية الفلسطينية ومئات العائلات البدوية. وقد صدرت أوامر هدم بحق 18 تجمعاً بدوياً كاملًا، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “مؤشر على كارثة إنسانية وتهجير قسري واسع”.
كما أقرت الحكومة إنشاء 22 مستوطنة جديدة دفعة واحدة في أيار/مايو، وهي سابقة منذ اتفاقيات أوسلو، فيما ارتفع عدد البؤر العشوائية إلى 60 هذا العام، أي ثمانية أضعاف المعدل السابق. ورافق ذلك نقل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش صلاحيات الإدارة المدنية من الجيش إلى مكتبه، لتسريع الموافقات على البناء وتقليل العوائق البيروقراطية.
عسكرة المخيمات والتهجير القسري
تقرير واشنطن بوست أكد أن الجيش الإسرائيلي عاد للمرة الأولى منذ اتفاقيات أوسلو إلى مخيمات اللاجئين في طولكرم وجنين ونور شمس، ما أدى إلى تهجير نحو 40 ألف شخص. عمليات الهدم شملت مئات المباني لفتح طرق عسكرية، في مؤشر واضح على انتقال الاحتلال من إدارة غير مباشرة إلى سيطرة عسكرية ميدانية.
اللواء عبد الله كامل، محافظ طولكرم، قال للصحيفة: “كل ما يحدث الآن يأتي ضمن خطة إسرائيلية للسيطرة الكاملة على الضفة”. وهي شهادة تكشف أن الاحتلال يتعمد تفكيك ما تبقى من سلطة فلسطينية شكلية في هذه المناطق.
عنف المستوطنين و”تسليح الخوف”
لم تقتصر الاستراتيجية على البناء والهدم، بل شملت أيضاً إطلاق يد المستوطنين. الأمم المتحدة وثّقت 927 هجوماً للمستوطنين خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، تُنفذ غالباً بحماية قوات الاحتلال أو بعلمها، كما تقول منظمات حقوقية مثل “بتسيلم”.
وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أحد رموز اليمين المتطرف، خفف القيود على حيازة السلاح منذ عامين، ما سمح للمستوطنين بتسليح أنفسهم على نطاق أوسع. ورغم العقوبات الغربية التي وُجهت ضده، اعتبر بن غفير أن “تسليح المستوطنين ضرورة دفاعية”، متجاهلاً حقيقة أن النتيجة المباشرة كانت تحويل القرى الفلسطينية إلى أهداف سهلة لاعتداءات دامية.
قصة عائلة دراغمة في عين الحلوة بوادي الأردن تجسد الواقع. العائلة فقدت ماشيتها بعد اعتداءات المستوطنين، ثم هُدم منزلها ومصنع الألبان البسيط على يد الجيش بحجة “البناء غير القانوني”. قال إيهاب دراغمة للصحيفة: “الآن جاء دورنا. بعد أن طردوا الجميع، يأتون إلينا”.
نتنياهو: “لن تكون هناك دولة فلسطينية”
التقرير أبرز تصريحات نتنياهو في سبتمبر الماضي خلال حفل إطلاق مشروع استيطاني جديد: “لن تقام دولة فلسطينية. هذا المكان لنا. سنهتم بتراثنا وبلدنا وأمننا”. هذه العبارة تعكس جوهر الاستراتيجية: تحويل الاحتلال إلى أمر واقع نهائي، وقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية مستقبلية.
المحامية الأميركية أليغرا باتشيكو، مديرة “اتحاد حماية الضفة الغربية”، علقت قائلة: “الحكومة تريد جعل الوضع نقطة اللاعودة. لم يعد الأمر مجرد بناء، بل يشمل إخلاء السكان ونقلهم”.
غطاء أميركي وصمت دولي
في ظل كل هذه التطورات، لعب الموقف الأميركي دوراً حاسماً. السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، المعروف بتأييده القوي للاستيطان، قال صراحة: “واشنطن لن تملي على إسرائيل ما تفعل ولن تتدخل”. هذا الموقف يعكس تحوّلاً خطيراً، إذ لم تعد الولايات المتحدة حتى تتظاهر بمعارضة الضم أو المطالبة بحل الدولتين.
الانشغال العالمي بالحرب في غزة ساعد حكومة نتنياهو على المضي في خطتها، بينما اكتفت أوروبا ببيانات قلق شكلية، دون أي أدوات ضغط حقيقية.
عباس.. شريك في الصمت والخيانة
اللافت أن كل هذه الخطوات الإسرائيلية جرت وسط غياب شبه كامل لدور السلطة الفلسطينية. محمود عباس، الذي يُفترض أن يقود “المشروع الوطني”، بدا مشغولاً بالبقاء في مقره برام الله، مكتفياً بخطابات جوفاء أمام الأمم المتحدة. بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، لم يعد الأمر مجرد عجز أو ضعف، بل خيانة صريحة، إذ يوفر عباس الغطاء السياسي لاستمرار الاحتلال من خلال التنسيق الأمني وقمع أي مقاومة شعبية في الضفة.
التناقض بين صمود الناس على الأرض وتواطؤ القيادة الرسمية يعمق الشعور الفلسطيني بأن مشروع الدولة المستقلة لم يعد سوى سراب، وأن السلطة تحولت إلى أداة بيد الاحتلال، تمنحه الوقت والهدوء اللازمين لاستكمال مخططاته.
خلاصة
ما كشفته واشنطن بوست يوضح أن ما يجري في الضفة ليس مجرد “توسع استيطاني” عابر، بل خطة شاملة لإغلاق ملف فلسطين نهائياً. نتنياهو وحكومته اليمينية يسابقون الزمن لفرض واقع جديد على الأرض، مدعومين بصمت دولي وتواطؤ داخلي.
إنها معركة الضفة، حيث يُراد للفلسطينيين أن يختفوا تدريجياً عبر التهجير والاعتداءات والحرمان من الأرض. وبينما ينشغل العالم بغزة، تُطبخ في الضفة وصفة الضم الكامل، في ظل قيادة فلسطينية عاجزة، بل متواطئة، تضع توقيعها على صفحة الخيانة.
اقرأ أيضًا : صاروخ يمني يشلّ حركة الطيران في “بن غوريون”: ضربة تكشف هشاشة الاحتلال