بقلم : مسعد الزاوي
لم تكن اليونان يوماً بعيدة عن معادلة الوجدان الشعبي المناصر لفلسطين، لكن ما حدث مؤخرًا في أثينا تجاوز حدود المواقف الرمزية، ليتحوّل إلى أزمة دبلوماسية بين الاحتلال الإسرائيلي ودولة أوروبية تُعد حليفة له ضمن المحور الغربي.
فقد اضطرت السفارة الإسرائيلية في العاصمة اليونانية إلى إجلاء موظفيها، تحت ضغط الاحتجاجات المتصاعدة، التي رأت في استمرار العلاقات مع “دولة إبادة” وصمة عار على جبين الحكومة اليونانية. جاء ذلك بعد استفزاز غير مسبوق من السفير الإسرائيلي، نعوم كاتس، الذي هاجم حرية التعبير في العاصمة، وانتقد الغرافيتي المؤيد لفلسطين، مسببًا موجة غضب واسعة داخل الأوساط السياسية والشعبية، وانتهى الأمر بتدخل رسمي صادم، حين وصف رئيس بلدية أثينا الاحتلال بأنه يقتل المدنيين يوميًا بـ”القنابل والجوع والعطش”.

الاحتلال المتغطرس يصطدم بجدار الديمقراطية اليونانية
في سلوك يعكس نمطًا معتادًا من الغطرسة الإسرائيلية، أعرب السفير كاتس عن امتعاضه من رسومات مؤيدة لفلسطين على جدران أثينا، زاعمًا أنها تسيء للسياح الإسرائيليين. لكن الرد جاء قاسيًا من رئيس بلدية أثينا هاريس دوكاس، الذي رفض بشدة “تدخلًا غير مقبولًا في شؤون مدينة ديمقراطية”، مؤكدًا أن بلاده لا تحتاج دروسًا في الديمقراطية من دولة تقتل الأطفال يوميًا في غزة.
دوكاس، المنتمي لحزب “باسوك” الاشتراكي المعارض، لم يكتفِ بالرد الدبلوماسي، بل وجّه صفعة سياسية وأخلاقية للاحتلال بقوله: “المثير للسخط أن يركّز السفير على كتابات على الجدران، في حين تُرتكب إبادة جماعية غير مسبوقة في غزة”. هذا التصريح يعكس حجم الهوّة الأخلاقية التي باتت تفصل بين إسرائيل حتى عن أقرب شركائها الأوروبيين، الذين طالما آثروا الصمت على جرائمها بحجج التحالفات الاستراتيجية.
المقاومة الشعبية اليونانية تعيد ترتيب المشهد
الموقف الشعبي في اليونان لم يكن صامتًا. فمنذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023، شهدت العاصمة أثينا ومدن أخرى تظاهرات حاشدة دعماً للفلسطينيين، قادتها قوى يسارية ونشطاء حقوق الإنسان، وسط شعارات تندد بالإبادة الجماعية وبتواطؤ الحكومة اليونانية مع الاحتلال. ومع تصاعد القتل والتجويع في غزة، لم يعد الشعب اليوناني مكتفياً برفع الشعارات، بل بدأ يستهدف رموز الاحتلال نفسها: من السفارة إلى السفن السياحية.
وفي هذا السياق، جاءت المسيرة المزمعة في 10 أغسطس تحت شعار “مسيرة إلى غزة”، والتي أطلقتها الحركة اليسارية اليونانية في رد مباشر على وحشية الاحتلال. وقالت الحركة في بيانها: “الشعب اليوناني لن يصمت أمام الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بدعم من حكومتنا والغرب”. هذا التحول النوعي من الاحتجاج إلى الضغط الشعبي المنظّم، يعكس تطورًا مهمًا في نمط المواجهة المدنية الأوروبية مع الكيان الإسرائيلي، الذي طالما اعتبر نفسه محصنًا سياسيًا داخل القارة.
إسرائيل تهرب من أثينا تحت ضغط سياسي وشعبي
لم يكن أمام الاحتلال إلا الانسحاب، فتم إجلاء موظفي سفارته في أثينا، وسط موجة من الغضب الشعبي والانتقادات الرسمية. هذا الإجراء يعكس حجم العزلة التي بدأ يشعر بها الكيان حتى في دول كان يعتبرها صديقة. فمنذ أشهر، بدأت الأصوات المعارضة للعدوان تتصاعد داخل أروقة الحكومات الأوروبية، لكن ما حدث في اليونان يُعد استثنائياً: للمرة الأولى تُجبر سفارة إسرائيلية على الإخلاء بسبب الحراك الشعبي المباشر، وهو ما يحمل دلالة رمزية على أن الغطرسة لم تعد قادرة على الصمود أمام الوعي الشعبي المتنامي.
بل إن الأوساط اليونانية السياسية نفسها لم تعد تتحمل عبء الدفاع عن الاحتلال، خصوصًا في ظل استمرار المجازر في غزة، والتي خلفت حتى اليوم أكثر من 210 آلاف بين شهيد وجريح، وأكثر من 9 آلاف مفقود، معظمهم من النساء والأطفال، وسط مجاعة متفاقمة تسببت بوفاة العشرات، بينهم أطفال رضع.
خاتمة: من أثينا إلى العالم.. لا حصانة لقاتل
إجلاء الاحتلال من أثينا ليس مجرد حادث دبلوماسي عابر، بل هو مؤشر على متغيرات أعمق في المزاج الدولي تجاه إسرائيل. فالتواطؤ الغربي الرسمي، لم يعد قادرًا على ضبط الشارع الأوروبي الذي بدأ يستعيد بوصلته الأخلاقية. وأثينا اليوم، عبر بلديتها وأحزابها وشعبها، ترسل رسالة واضحة: لا مكان لسفارات قاتلي الأطفال على أرض الديمقراطية.
ما جرى في اليونان قد لا يُغير مجريات الحرب على غزة، لكنه بالتأكيد يُحرج الاحتلال ويُربكه ويزيد من عزلته. وفي مشهد يليق بالكرامة، غادرت إسرائيل أثينا، لا مُكرّمة، بل مطرودة من ضمير الشعب اليوناني.
اقرأ أيضًا : طلعات تجسسية فوق غزة: التورط البريطاني الخفي في دعم الاحتلال الإسرائيلي