في خطوة تصعيدية مفاجئة تنذر بتوسيع رقعة الحرب الإقليمية، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات مكثفة على مدينة الحديدة اليمنية وعدد من موانئها الحيوية، مستهدفًا بنية تحتية مدنية بحجة “وجود نشاطات عسكرية للحوثيين”، وذلك في إطار عملية أطلق عليها اسم “الراية السوداء”. 

العدوان الجديد الذي أعلنته إذاعة جيش الاحتلال، يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع جماعة أنصار الله، ويثير تساؤلات عن دوافع الاحتلال لتوسيع جبهاته نحو الجنوب بعد عجزه عن حسم المعركة في غزة.

العدوان على الحديدة.. تصدير للفشل الإسرائيلي في غزة؟

أعلنت إسرائيل عبر وزير دفاعها يسرائيل كاتس عن بدء هجمات جوية ضد أهداف متعددة في اليمن، شملت موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف، إلى جانب محطة رأس الخطيب للطاقة، مدعية أن هذه المنشآت تستخدم في “أنشطة إرهابية تهدد أمن إسرائيل”. وزعم كاتس أن الطائرات الإسرائيلية استهدفت أيضًا سفينة “غالاكسي ليدر” المختطفة منذ عامين، والتي قال إنها باتت تستخدم كمنصة لعمليات عسكرية.

لكن المتابع لتطورات الحرب يدرك أن هذا التحول لا يمكن عزله عن الفشل العسكري والسياسي المتواصل للاحتلال في قطاع غزة، حيث عجزت إسرائيل عن تحقيق أي نصر حاسم رغم مرور تسعة أشهر على حرب إبادة شنّتها ضد الشعب الفلسطيني. في هذا السياق، يُقرأ الهجوم على اليمن كمحاولة لتصدير الأزمة الإسرائيلية نحو الخارج، وخلق جبهة جديدة تأمل القيادة الإسرائيلية من خلالها أن تستعيد زمام المبادرة وتحرف الأنظار عن إخفاقاتها في غزة.

صواريخ إسرائيلية على الحديدة.. ودفاعات يمنية تتصدى

بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، ألقى سلاح الجو الإسرائيلي ما لا يقل عن 20 صاروخًا على أهداف في الحديدة، في تنسيق مباشر مع سلاح البحرية وبدعم استخباراتي أميركي على الأرجح، رغم إعلان واشنطن وقف عملياتها العسكرية في اليمن في مايو/أيار الماضي.

في المقابل، أعلنت جماعة أنصار الله أن دفاعاتها الجوية تصدت للهجمات الجوية، وتمكّنت من إجبار طائرات إسرائيلية على المغادرة، باستخدام صواريخ أرض-جو محلية الصنع. وأكد المتحدث العسكري باسم الجماعة أن العدوان الإسرائيلي لن يمر دون رد، مشيرًا إلى أن “قواعد الاشتباك تغيرت”، وأن الشعب اليمني بات أكثر عزماً على دعم المقاومة الفلسطينية في غزة.

وقد ربط عضو المجلس السياسي الأعلى في الجماعة هذا العدوان بما يحدث في فلسطين، مؤكدًا أن الاعتداء الإسرائيلي على منشآت مدنية في اليمن هو امتداد لجرائم الاحتلال في غزة، وأن أي تصعيد جديد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الثبات في مواقف أنصار الله المناهضة للكيان الإسرائيلي.

رسائل إسرائيل من البحر إلى الخليج: تأزيم محسوب أم انتحار إقليمي؟

في خلفية هذه الأحداث، وقع هجوم مسلّح جديد على سفينة تجارية قبالة سواحل اليمن الغربية، أُطلق خلاله صواريخ وقذائف من زوارق صغيرة، بحسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. يأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة ضربات نفذها الحوثيون منذ نوفمبر 2023، تجاوزت المئة عملية، وأثّرت على مسار التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وتشير هذه الهجمات إلى أن البحر الأحمر تحوّل فعليًا إلى ساحة صراع مفتوحة بين الحوثيين والتحالف الأميركي الإسرائيلي. وقد دفع ذلك تل أبيب إلى إصدار تحذيرات مسبقة بإخلاء 3 موانئ يمنية، ضمن سياسة “الإنذار قبل القصف”، في محاولة لتبرير اعتداءاتها أمام المجتمع الدولي.

لكن هذه التهديدات، إن استمرت، قد تضع إسرائيل أمام كارثة حقيقية، إذ أن أنصار الله يمتلكون منظومة صاروخية متطورة، وسبق أن استهدفوا سفنًا إسرائيلية وأميركية بدقة عالية، مما يثير القلق من تصعيد متبادل يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مفتوح، ويهدد الأمن البحري العالمي.

التورط الإسرائيلي في اليمن

الهجوم الإسرائيلي الأخير يعيد إلى الأذهان سجل الاحتلال في التعدي على الدول العربية. فمن لبنان وسوريا، إلى العراق وليبيا، والآن اليمن، تتكرر سياسات القصف والاغتيال تحت ذرائع واهية، في وقت يُغض المجتمع الدولي الطرف عن انتهاك إسرائيل لسيادة الدول العربية.

الاعتداء على اليمن ليس فقط عدوانًا على بلد عربي فقير يعاني من ويلات حرب مستمرة منذ تسع سنوات، بل هو محاولة لإخضاع كل قوى المقاومة الإقليمية التي تدعم الشعب الفلسطيني. كما أن استهداف منشآت مدنية كموانئ ومحطات كهرباء في الحديدة يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، تُضاف إلى سجل الاحتلال الملطخ بالدماء في غزة.

وبعيدًا عن ذرائع “مكافحة الإرهاب”، فإن هذا العدوان يثبت أن إسرائيل لا تسعى لحماية نفسها، بل لفرض هيمنتها بالقوة على المنطقة، ولو على حساب استقرار الممرات المائية والتجارة الدولية.

خاتمة: هل يفتح الاحتلال على نفسه جبهة لا قدرة له على احتوائها؟

ربما يظن قادة الاحتلال أن بإمكانهم فتح جبهات في غزة ولبنان واليمن وسوريا دون أن يدفعوا الثمن، لكن الواقع يُظهر عكس ذلك. فأنصار الله، رغم الحصار والتجويع، أثبتوا قدرتهم على الرد والردع، في وقت يتكسر فيه الردع الإسرائيلي على أسوار غزة، وتفشل كل وعود “الأمن” في الداخل المحتل.

ومع غرق حكومة نتنياهو في أزمات داخلية وخارجية، يبدو أن هذا العدوان على اليمن قد يكون شرارة لمواجهة أوسع تتجاوز حدود اليمن، وتعيد تشكيل معادلات القوة في المنطقة. فهل تدرك إسرائيل أنها تلعب بالنار في البحر الأحمر؟ أم أن غرورها الاستعماري سيقودها إلى مواجهة لا خروج منها؟

اقرأ أيضًا : الاحتلال ينهب ركام غزة: نهبٌ ممنهج يعرقل الإعمار ويحوّل الدمار إلى مكاسب