بقلم / محمود المري
في 14 أغسطس/آب 2013، دوّى الرصاص في قلب القاهرة ليحفر جرحا غائرا في تاريخ مصر الحديث. كان صباحا أسود، حين اقتحمت قوات مشتركة من الجيش والشرطة اعتصامي “رابعة العدوية” و”النهضة”، وأطلقت النار على آلاف المدنيين العزّل من أنصار الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي، لتصنع ما وصفته منظمة “هيومن رايتس ووتش” بـ”أكبر عملية قتل جماعي لمتظاهرين في يوم واحد بالعالم المعاصر”.
اليوم، ونحن على أعتاب الذكرى الثانية عشرة للمجزرة، لا تزال الأسئلة تتردد: لماذا لم يُحاسب أحد؟ ولماذا يبدو أن الدم العربي – من رابعة إلى غزة – أصبح رخيصا في سوق السياسة الدولية؟

دم لم يجف.. وجرح بلا محاسبة
تقديرات الحكومة المصرية لأعداد الضحايا توقفت عند 632، بينما قدّرت “هيومن رايتس ووتش” العدد بين 817 و1000 مدني. أما شهادات الصحفيين والحقوقيين، وبعض الوثائق المسربة، فتشير إلى أرقام تفوق ذلك بكثير، حتى أن بعض التقديرات تذهب إلى أن عدد الشهداء تجاوز عشرة آلاف، بينهم من دُفن سرا أو أُحرقت جثثهم.
لكن الأخطر من عدد الضحايا هو ما أعقب ذلك: صمت دولي مريب، ومباركة إقليمية، وصياغة قوانين داخلية تحصّن القتلة من المساءلة، ما جعل العدالة بعيدة المنال، والتوثيق مجرد حبيس لتقارير لا تجد طريقها إلى المحاكم.
من القاهرة إلى غزة.. عدوى القتل بلا ثمن
مجزرة رابعة لم تكن حدثا محليا معزولا، بل تحولت – بحسب محللين – إلى رسالة مفتوحة للأنظمة القمعية: يمكنكم أن تقتلوا شعوبكم ولن يُمسّ أحد منكم.
بعد أسبوع فقط من الفض، ارتكب النظام السوري مجزرة الغوطة الكيميائية، أودت بحياة نحو 1400 سوري. وفي 2014، قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 2250 فلسطينيا في غزة، في مشهد بدا وكأنه يترجم حرفيا “الإفلات من العقاب” الذي جرى في القاهرة. واليوم، مع دخول الحرب الإسرائيلية على غزة عامها الثاني، يتكرر المشهد نفسه: حصار، قتل جماعي، وتدمير ممنهج، بينما العالم يكتفي بالتنديد اللفظي أو الصمت.
السيسي وإرث الدم والقمع
منذ أن اعتلى عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، حمل معه إرث “رابعة” كهوية سياسية وأداة حكم. فالمجزرة لم تكن فقط قمعا لمظاهرة، بل كانت إعلان وفاة للمسار الديمقراطي الذي بدأ مع ثورة 25 يناير.
أُغلقت الحياة السياسية، جُمّدت الدساتير المنتخبة، حُلّ البرلمان، وامتلأت السجون بعشرات الآلاف من المعارضين، من سياسيين وصحفيين ونشطاء. توسعت ظاهرة الإخفاء القسري والتعذيب، وأُصدرت أحكام إعدام بالجملة في قضايا سياسية.
اقتصاديا، تحولت مصر إلى دولة غارقة في الديون، مع مشروعات ضخمة بلا جدوى حقيقية للمواطن، وانهيار قيمة الجنيه، وتآكل الطبقة المتوسطة، وارتفاع معدلات الفقر. بذلك، انتقل المصريون من ميدان رابعة إلى سجن كبير تحكمه القبضة الأمنية والأزمات المعيشية.
شهادات من قلب الجحيم
رغم مرور 12 عاما، لا تزال مشاهد ذلك اليوم محفورة في ذاكرة الناجين. “أم سفيان” تتذكر اللحظة التي حوصر فيها الميدان، وسقط أول شهيد من قريتها أمام عينيها. أما “أم أنس”، فتروي كيف تحولت أيام الحزن إلى كابوس مستمر من الملاحقات والاعتقالات، مؤكدة أن المصريين جميعا دفعوا الثمن لاحقا، حتى من رقصوا على أنغام “تسلم الأيادي”.
رابعة.. مدرسة الطغاة
يرى كثير من الحقوقيين أن رابعة أصبحت “الدرس المجاني” الذي استوعبته أنظمة عربية عدة: إذا لم يتحرك العالم أمام قتل آلاف المصريين في وضح النهار، فلن يتحرك أمام أي جريمة أخرى. وهكذا، تحولت المنطقة إلى مسرح مفتوح للمجازر: في ليبيا، وسوريا، واليمن، والسودان، وحتى في فلسطين.
الباحث الحقوقي عبد الرحمن حمودة يصف الأمر بأنه “عصر المجازر المُرحب بها دوليا”، حيث يكفي أن تضمن الأنظمة ولاءها للغرب أو توفر ما يسمى “الاستقرار”، لتنال الضوء الأخضر للقمع بلا خوف من العقاب.
من التوثيق إلى الفعل
رغم جهود التوثيق من منظمات كـ”هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” وشهود العيان، بقيت القضية بلا محكمة ولا عدالة. بل إن القوانين المصرية حصّنت الجيش والشرطة من الملاحقة، فيما جرى ملاحقة من قاموا بالتوثيق أنفسهم.
لكن بعض السياسيين والمعارضين، مثل الدكتور محمد عماد الدين، يرون أن التوثيق ضرورة تاريخية، ليس فقط للذكرى، بل لضمان عدم تزوير الرواية، وكي يكون سلاحا قانونيا حين تتغير موازين القوى.
رابعة وغزة.. دم واحد ورسالة واحدة
بعد 12 عاما، تتقاطع ذكرى رابعة مع مشاهد غزة المحاصرة. الرسالة التي أطلقها السيسي في 2013 وصلت إلى تل أبيب: الدم العربي بلا ثمن، والمجتمع الدولي بلا موقف. وكما قال أحد الناشطين: “من رابعة إلى غزة، سال الدم العربي في مجرى واحد، وصارت الإبادة لغة مشتركة بين الطغاة والمحتلين”.
الخلاصة
عبد الفتاح السيسي لم يكن مجرد قائد انقلاب؛ بل كان مهندس نموذج قمعي ألهم الطغاة والمحتلين على حد سواء. وما لم تتحقق العدالة في جريمة رابعة، ستظل دماء المصريين والعرب على حد سواء وقودا لمجازر قادمة، وصوت الرصاص في القاهرة سيتردد صداه في غزة ودمشق وطرابلس والخرطوم.
إنها ليست مجرد ذكرى، بل جرس إنذار بأن الإفلات من العقاب في رابعة كان الرصاصة الأولى في زمن صار فيه القتل سياسة، والصمت العالمي غطاءً للدم.
اقرأ أيضًا : بن غفير يطالب بهدم قبر عز الدين القسام: إرث المقاومة يطارد الاحتلال حتى بعد الموت