بدأت الشرارة من سجن بلي في ولاية نابل، حيث أعلن الأكاديمي والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام منذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجًا على ما وصفه بـ”الاعتقال السياسي الظالم”. لم يكن بن مبارك مجرد سجين، بل رمزًا للمقاومة المدنية في وجه حكم الرئيس قيس سعيّد الذي يواصل، بحسب المعارضة، سياسة “التصفية الهادئة” لخصومه السياسيين عبر القضاء. وبعد عشرة أيام من الصمت الرسمي وتدهور حالته الصحية، هزّ قراره الشارع السياسي التونسي، لتتسع دائرة الإضراب وتشمل شخصيات بارزة مثل راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان المنحل، وعددًا من النشطاء داخل السجون وخارجها، في مشهد أعاد إلى الأذهان أجواء الكفاح السلمي ضد الديكتاتوريات القديمة.

الغنوشي يدخل المعركة من داخل السجن
إعلان هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي، الجمعة، دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام مثّل نقطة تحوّل رمزية في مسار المواجهة بين المعارضة وسلطة قيس سعيّد. فالغنوشي، البالغ من العمر 83 عامًا، والمعتقل منذ أبريل 2023، قرر المشاركة في الإضراب تضامنًا مع بن مبارك، “دفاعًا عن استقلالية القضاء والحريات العامة”، كما جاء في بيان فريق دفاعه. هذا القرار، الصادر من داخل الزنزانة، جاء كرسالة مزدوجة: أولًا إلى السلطة التي تواصل ملاحقة معارضيها تحت تهم “التآمر على أمن الدولة”، وثانيًا إلى القوى الديمقراطية في الداخل والخارج بأن المعركة من أجل الكرامة لم تمت رغم القمع والعزلة.
إضراب الغنوشي ليس مجرد تضامن إنساني، بل فعل سياسي موجّه. فهو يعرف أن جسده بات آخر ما يملكه للاحتجاج، وأن التضحية الرمزية يمكن أن تحرج نظام قيس سعيّد أمام الرأي العام الدولي الذي بدأ يستشعر الانزلاق التونسي نحو الاستبداد الكامل. فالزجّ بقيادات تاريخية في السجون، من الغنوشي إلى الشابي وبن مبارك، بات سياسة ممنهجة لإفراغ الساحة من أي معارضة منظمة.
المعارضة تتحد.. وجبهة الخلاص تصعّد
لم يقتصر الإضراب على الغنوشي وبن مبارك، بل امتدّ إلى قيادات أخرى داخل السجون وخارجها، حيث أعلن الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي بدوره الدخول في إضراب من داخل زنزانته، فيما أعلن ناشطون وسياسيون آخرون تضامنهم من الخارج عبر اعتصامات وإضرابات رمزية. واعتبرت “تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين” أن الخطوة تهدف إلى “إجبار السلطة على التراجع عن سياساتها القمعية، وإطلاق سراح كل سجناء الرأي”.
خلال مؤتمر صحفي بالعاصمة تونس، وصف وسام الصغير، المتحدث باسم الحزب الجمهوري، الإضرابات بأنها “صرخة ضمير” ضد محاكمات ملفقة تستهدف تكميم الأفواه، بينما كشف والد بن مبارك، عز الدين الحزقي، أن نجله “في حالة صحية متدهورة” لكن “معنوياته ثابتة”. وأعلن أن العائلة كلها ستبدأ إضرابًا رمزيًا عن الطعام تضامنًا معه، مؤكّدًا أن “جوهر لم يرتكب إلا جريمة الدفاع عن الديمقراطية”.
ترافق هذا التصعيد مع بيانات دعم من منظمات حقوقية تونسية ودولية، أبرزها منظمة العفو الدولية، التي دعت إلى الإفراج “الفوري وغير المشروط” عن بن مبارك وجميع المعتقلين بسبب آرائهم السياسية. هذه المواقف الدولية أعادت تسليط الضوء على ملف الحريات في تونس الذي تحاول السلطة التعتيم عليه منذ سنوات.
قيس سعيّد.. من الثورة إلى الاستبداد
منذ أن جمّد الرئيس قيس سعيّد البرلمان في يوليو 2021، وأمسك بمفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، تشهد تونس تراجعًا حادًا في الحريات العامة. فالمعارضة تتحدث عن “انقلاب مكتمل الأركان” أطاح بمكتسبات الثورة، وأدخل البلاد في مرحلة من “الاستبداد المقنّع” تحت غطاء مكافحة الفساد.
ملف “التآمر على أمن الدولة”، الذي سُجن بسببه عشرات السياسيين والصحفيين والناشطين، أصبح أداةً لتصفية الحسابات. فالتهم التي تتراوح بين “التخابر مع جهات أجنبية” و”التحريض على الفوضى” تُستخدم بشكل انتقائي ضد الأصوات المعارضة. بينما تنفي السلطة وجود معتقلين سياسيين، وتؤكد أن القضايا المطروحة “جنائية بحتة”.
لكن الواقع على الأرض يقول غير ذلك. فالقضاء فقد استقلاليته بعد أن حلّ سعيّد المجلس الأعلى للقضاء وعيّن بديله بنفسه، فيما تتحدث تقارير دولية عن ضغوط تمارس على القضاة لإصدار أحكام قاسية ضد خصوم النظام. هذا الانحراف الخطير جعل من تونس، التي كانت تُعدّ آخر نموذج ديمقراطي في المنطقة العربية بعد الربيع العربي، دولة بوليسية جديدة تُحكم بالقرارات الفردية لا بالمؤسسات.
معركة الأمعاء الخاوية.. آخر صرخة قبل الانفجار
إضراب الغنوشي وبن مبارك والشابي وغيرهم، لا يمكن قراءته كاحتجاج شخصي فحسب، بل كآخر أشكال المقاومة السلمية في بلدٍ يسير نحو الإغلاق الكامل للمجال السياسي. إنها محاولة أخيرة لإعادة الوعي الجمعي إلى أن معركة الحرية لم تُحسم بعد، وأن الصمت الشعبي هو ما يمنح الاستبداد قوته.
تونس التي حلمت بالحرية في 2011، تواجه اليوم اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا: فإما أن تستعيد روح الثورة عبر تضامن شعبي واسع مع سجناء الرأي، أو تسقط نهائيًا في قبضة الفرد الواحد. وبين الزنازين والمستشفيات، يخوض المعارضون معركتهم بأجسادهم العارية، فيما يواصل النظام تجاهله، كأن الدماء والصمت باتا اللغة الرسمية الجديدة للجمهورية.
اقرأ أيضًا : الاحتلال الإسرائيلي يخترق الهدنة ويقصف غزة