تتصاعد حالة التوتر في المشهد السياسي والحقوقي التونسي بعد إعلان الناشط الحقوقي البارز والقيادي في حركة النهضة، محمد القلوي، عن دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام منذ أواخر يوليو/تموز الماضي، رفضًا لاستمرار احتجازه في ظروف وصفها حقوقيون بـ”التعسفية” و”المخالفة للمعايير الدولية”. ويقبع القلوي في سجن المرناقية قرب العاصمة منذ 9 سبتمبر/أيلول 2024، أي ما يزيد عن 11 شهرًا، دون أن تُوجَّه له تهم واضحة، في حين تؤكد منظمات حقوقية أن توقيفه جاء على خلفية نشاطه في برمجة اجتماعات خاصة بالعدالة الانتقالية واستئناف الجلسات القضائية، وهو ما يعد حقًا أصيلًا في إطار حرية التعبير والعمل السياسي.
القضية أثارت موجة من الغضب داخل الأوساط الحقوقية، خصوصًا بعد بيان جمعية ضحايا التعذيب في جنيف، التي أدانت استمرار احتجاز القلوي وما وصفته بـ”الممارسات الانتقامية” ضده، كان آخرها فرض عقوبات بحقه بعد تلقي إدارة السجن شكوى تزعم ممارسته لصلاة قيام الليل داخل زنزانته. هذه العقوبات، بحسب الجمعية، تشكل انتهاكًا صارخًا للحقوق الدينية التي يكفلها الدستور التونسي والمواثيق الدولية التي صادقت عليها البلاد، في وقت تواصل فيه السلطات التونسية ترديد خطاب “احترام الحريات الدينية”.

تاريخ نضالي وصحة متدهورة
محمد القلوي ليس مجرد ناشط سياسي عابر، بل يُلقّب بـ”مانديلا تونس” بعد أن قضى أكثر من 20 سنة في السجون التونسية، منها 17 عامًا ونصف على التوالي بين عامي 1990 و2007، بسبب نشاطه المعارض للسلطات الحاكمة آنذاك. هذه المسيرة الطويلة من النضال جعلت منه رمزًا للصمود أمام الاستبداد، ومصدر إلهام للكثير من المدافعين عن الحقوق والحريات في تونس وخارجها.
إلا أن وضعه الصحي يثير قلقًا بالغًا، إذ يعاني من مرض مزمن في ضغط الدم ويُحرم من الرعاية الطبية اللازمة داخل السجن، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياته، خصوصًا في ظل الإهمال الطبي الذي وثقته تقارير حقوقية عديدة. ومع استمرار إضرابه عن الطعام، يخشى مراقبون أن تتحول قضيته إلى مأساة إنسانية جديدة على غرار حالات سابقة شهدتها تونس في العقود الماضية.
قمع سياسي في عهد قيس سعيّد
قضية القلوي تأتي في سياق سياسي أكثر قتامة تشهده تونس منذ استحواذ الرئيس قيس سعيّد على كامل الصلاحيات في يوليو/تموز 2021، عبر إجراءات استثنائية وصفها معارضوه بـ”الانقلاب على الدستور”. فمنذ ذلك التاريخ، اتسعت دائرة الاعتقالات التي طالت سياسيين وصحفيين ونشطاء من مختلف الأطياف، تحت ذرائع تتراوح بين “مكافحة الفساد” و”مواجهة المؤامرات”، في حين تؤكد منظمات حقوقية أن الهدف الحقيقي هو تصفية المعارضين وإسكات الأصوات المستقلة.
تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية رصدت تدهورًا حادًا في أوضاع الحريات، وعودة أساليب القمع التي اعتقد التونسيون أنهم ودعوها بعد ثورة 2011. وتشمل هذه الأساليب التضييق على الإعلام، مراقبة الأنشطة السياسية، واستهداف المعارضين بتهم فضفاضة، إضافة إلى محاكمات تفتقر إلى الشفافية والضمانات القانونية. وفي هذا السياق، يمثل إضراب القلوي عن الطعام تحديًا مباشرًا لنهج السلطة، ورسالة واضحة بأن القمع لن ينجح في كسر إرادة النشطاء.
المسؤولية الدولية والالتزامات المنتهكة
بيان جمعية ضحايا التعذيب لم يكتفِ بالمطالبة بالإفراج عن القلوي، بل ذكّر السلطات التونسية بالتزاماتها الدولية، خاصة البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب الذي انضمت إليه تونس، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تلزم الدول الموقعة بضمان منع التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز. إلا أن استمرار احتجاز القلوي في ظل هذه الظروف، ومع معاقبته على ممارسة شعائره الدينية، يُظهر – وفق الجمعية – أن السلطة التونسية تتعامل مع هذه الالتزامات كحبر على ورق.
هذا التجاهل للمعايير الدولية يعرض تونس لخطر العزلة الحقوقية وتفاقم الضغوط الدولية، خاصة مع تزايد التحذيرات من أن الانتهاكات الممنهجة قد تؤدي إلى فتح ملفاتها في مجلس حقوق الإنسان أو أمام المقررين الخاصين للأمم المتحدة.
دعوات للإفراج والتعبئة الشعبية
مع تصاعد التدهور الصحي للقلوي، تتصاعد أيضًا الدعوات من داخل تونس وخارجها للإفراج الفوري عنه وعن جميع السجناء السياسيين. شخصيات سياسية وحقوقية طالبت بتنظيم حملة تضامن وطنية ودولية للضغط على السلطات، معتبرة أن الصمت أمام هذه القضية يفتح الباب لمزيد من الاعتقالات والانتهاكات بحق المعارضين.
وفي الشارع، ورغم القبضة الأمنية، بدأ ناشطون يخططون لتحركات سلمية للمطالبة بإنهاء الاعتقالات التعسفية، مؤكدين أن قضية القلوي قد تكون شرارة لتحريك الرأي العام ضد موجة القمع الحالية. ويرى مراقبون أن أي تراجع من السلطة في هذه القضية قد يُقرأ على أنه انتصار رمزي للمعارضة ويشجع على مزيد من المطالبة بالحريات.
خاتمة
إضراب محمد القلوي عن الطعام ليس مجرد خطوة احتجاجية فردية، بل هو صرخة في وجه منظومة قمعية تتشكل ملامحها بوضوح في عهد قيس سعيّد. فبين سجين يواجه الموت البطيء خلف القضبان، وسلطة ماضية في تكريس حكم الفرد، تقف تونس أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى مسار الديمقراطية وسيادة القانون، أو الانزلاق نحو مرحلة جديدة من الاستبداد ستدفع البلاد ثمنها سياسيًا واقتصاديًا وحقوقيًا لسنوات قادمة.
اقرأ أيضا : قرار احتلال غزة بالكامل يثير نزاعا داخل الكونغرس الأمريكي.. تحذيرات من “كابوس لوجستي”