أثار قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فجر الجمعة 8 أغسطس/آب، باحتلال كامل قطاع غزة، انقسامًا لافتًا داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، حيث حذر مشرعون، بينهم داعمون تقليديون لإسرائيل، من أن الخطة قد تتحول إلى “كابوس لوجستي” يجرّ تل أبيب نحو عزلة دولية متزايدة ويضعها في مواجهة أعباء إنسانية واقتصادية هائلة.
التقرير الذي نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي كشف أن المخاوف لم تأتِ من المعسكر المعارض لإسرائيل فحسب، بل طالت شخصيات جمهورية وديمقراطية بارزة طالما تبنت مواقف داعمة للاحتلال، وهو ما يعكس عمق القلق من التداعيات المحتملة لأي خطوة ميدانية بهذا الحجم في ظل ظروف الحرب الدموية والمجاعة التي تعصف بالقطاع منذ قرابة عامين.

تحذيرات من “مستنقع” جديد
النائب الجمهوري تيم بورشيت، عضو اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية في مجلس النواب لشؤون الشرق الأوسط، تساءل بلهجة نقدية عن الجهة التي ستتولى إدارة غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن الاحتلال لا يعني السيطرة الأمنية فقط، بل يفتح باب الالتزامات المعقدة أمام إسرائيل.
أما النائب الجمهوري ريان زينك، فشدد على أن السيطرة الأمنية تعني أيضًا تحمل مسؤولية توفير المساعدات الإنسانية وبناء مستقبل اقتصادي للسكان، وهي أعباء قد تتجاوز قدرة الاحتلال وتضعه أمام انتقادات متصاعدة من المجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، اعتبر النائب الديمقراطي براد شنايدر، رئيس الائتلاف الديمقراطي الجديد الذي يضم 100 عضو، أن الخطة “مشكوك فيها تكتيكيًا ومحبطة استراتيجيًا”، محذرًا من أنها قد تخدم أهداف حركة حماس عبر تعزيز صورتها كمقاومة ضد الاحتلال، وفي الوقت ذاته توحد العالم ضد إسرائيل.
النائب الديمقراطي ريتشـي توريس حذر أيضًا من تحول الحرب إلى “مستنقع” على غرار حربي العراق وأفغانستان، داعيًا إلى التركيز على إنجاز ملف إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين بدلًا من الانزلاق نحو احتلال طويل الأمد.
انقسام داخلي رغم الدعم الجمهوري
ورغم هذه التحذيرات، ما تزال إسرائيل تحظى بدعم قوي من معظم الجمهوريين في الكونغرس. النائب مايك لولر، رئيس اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية بمجلس النواب لشؤون الشرق الأوسط، أكد أنه “في غياب وقف لإطلاق النار، فلا خيار أمام إسرائيل”.
أما النائب دون بيكون، فذهب إلى أن “السلام مع حماس مستحيل، وإذا لم يتم اقتلاع الحركة وإطلاق سراح الأسرى، فإن احتلال غزة قد يكون ضروريًا”، على حد تعبيره.
لكن الانقسام لا يقتصر على واشنطن؛ إذ امتد إلى داخل الكيان نفسه، حيث صرح وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأنه فقد الثقة في قدرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على “تحقيق النصر في قطاع غزة”، في إشارة إلى عمق الخلافات داخل القيادة الإسرائيلية بشأن جدوى الخطة.
تحذيرات من منظمات يهودية وضغوط أمريكية
من جهتها، حذرت منظمتان يهوديتان بارزتان في الولايات المتحدة من أن احتلال كامل القطاع سيؤدي إلى “خسائر بشرية جسيمة”، في وقت كشفت فيه قناة “كان” العبرية عن ضغوط تمارسها واشنطن والوسطاء على كل من إسرائيل وحماس للعودة إلى طاولة المفاوضات الخاصة بوقف الحرب.
الخطة الإسرائيلية، التي يعارضها جميع القادة الأمنيين داخل الاحتلال، تبدأ باحتلال مدينة غزة بعد تهجير سكانها البالغ عددهم نحو مليون نسمة إلى الجنوب، ثم تطويق المدينة وشن عمليات توغل في الأحياء السكنية. أما المرحلة الثانية، فتشمل احتلال مخيمات اللاجئين وسط القطاع، والتي دمرت تل أبيب أجزاء واسعة منها خلال الشهور الماضية.
إبادة جماعية وأرقام صادمة
منذ بدء الحرب على غزة، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجازر مروعة وفرض حصارًا خانقًا أدى إلى مجاعة كارثية. ووفق آخر الإحصاءات، خلفت الحرب 61,369 شهيدًا و152,862 مصابًا، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 9,000 مفقود ومئات آلاف النازحين. كما تسبب الحصار في وفاة المئات جوعًا، في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في العصر الحديث.
تصف منظمات حقوقية وسياسيون حول العالم ما يجري بأنه إبادة جماعية مكتملة الأركان، حيث يجري استهداف المدنيين بشكل منهجي، وتدمير البنية التحتية، وحرمان السكان من الغذاء والماء والدواء.
خاتمة: احتلال محفوف بالمخاطر
بينما تمضي حكومة الاحتلال في خطتها المثيرة للجدل، يبدو أن المخاطر السياسية والإنسانية والعسكرية تتزايد. الاحتلال الكامل لغزة قد يجر إسرائيل إلى فخ طويل الأمد، يضاعف عزلة الكيان على الساحة الدولية، ويفتح أبواب مساءلات قانونية دولية بشأن جرائم الحرب. وفي ظل الإصرار على الحل العسكري وتجاهل الدعوات لوقف إطلاق النار، يظل المدنيون في غزة هم الضحية الأولى، في مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم، فيما يقترب الشرق الأوسط من جولة جديدة من الاضطراب العميق.
اقرأ أيضًا : حساب سعودي شهير يفضح “خيانة السيسي”: صفقة الغاز مع إسرائيل أكبر دعم لتل أبيب منذ 7 أكتوبر