في الوقت الذي تستعد فيه “قافلة الصمود” المغاربية للوصول إلى العاصمة المصرية القاهرة، ثم مدينة رفح الحدودية، تصاعدت وتيرة الهجوم الإعلامي الرسمي والمقرب من السلطة المصرية ضد القافلة، في حملة تبدو ممنهجة وتثير تساؤلات عن خلفياتها السياسية والأمنية، وعن احتمال منع القافلة من دخول معبر رفح، خصوصاً وسط تنسيق واضح بين الخطاب الإعلامي وتحذيرات الأجهزة الأمنية.

أبرز هذه الهجمات جاءت من الإعلامي المقرب من جهاز المخابرات العامة، أحمد موسى، الذي وصف القافلة بأنها “فخ سياسي محكم” هدفه إحراج الدولة المصرية، وليس دعم غزة كما يدّعي القائمون عليها. 

وقال موسى في منشور على منصة “إكس”: “اليقظة مطلوبة من الجميع لمواجهة هذا الفخ الذي يستهدف وضع مصر في موقف محرج للغاية، سواء سمحت بالدخول أو منعت القافلة، وتداعيات ما قد يحدث والحملات المجهزة سلفاً ضد الدولة المصرية”.

إعلام السامسونج

موسى لم يكتف بتحذير الدولة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في تخويف الرأي العام، عندما شبّه وصول القافلة إلى رفح بإمكانية تحويل الحدود إلى “قنبلة موقوتة”، محذراً من سيناريوهات أمنية مفتعلة توحي بخطر داخلي متعمّد من النشطاء المتضامنين.

وأضاف في تدوينة مثيرة للجدل: “هل ستنقذ القافلة غزة، أم هدفها الشو الإعلامي؟ الموضوع ليس سهلاً، بل مخطط بعناية لإحراج مصر، وليس إسرائيل”.

هذا التصعيد الإعلامي لم يكن معزولاً عن موقف رسمي متوقع، بل يبدو أنه خطوة استباقية لتبرير منع محتمل لوصول القافلة إلى معبر رفح، أو على الأقل عرقلتها. 

خصوصاً أن خطاب موسى ومقربين من دوائر السلطة يشير إلى تعليمات سياسية واضحة تهدف إلى التنصل من مسؤولية استمرار حصار غزة، وتحويل الأنظار نحو النشطاء المتضامنين بدلًا من الاحتلال الإسرائيلي المسؤول المباشر عن الحصار.

من جهته، وصف الناشط المصري المؤيد للسلطة، لؤي الخطيب، القافلة بأنها “حركة لإحراج مصر”، في تكرار لنفس خطاب موسى، مما يعكس تناغماً بين الأصوات الإعلامية المقربة من الدولة وخط أمني يبدو أنه بدأ في بناء جدار من التبريرات لموقف غير شعبي مرتقب.

إصرار على كسر الحصار

في المقابل، يصر منظمو القافلة، من ناشطين مغاربيين، على الطابع الشعبي والإنساني لتحركهم، مؤكدين أن المبادرة انطلقت من تونس وتوسعت لتشمل الجزائر، المغرب، موريتانيا، على أن يلتحق بها لاحقًا نشطاء من ليبيا ومصر. 

ووفق المنسق الطبي للقافلة، الدكتور محمد أمين بالنور، فإن “القافلة ليست سياحية، بل نضالية، وكل من فيها يخرج بصدر عار، ينشد الكرامة لمناصرة إخوتهم في غزة”.

بالنور، الذي سبق له أن تطوع في قطاع غزة كمختص في جراحة العظام والكسور، شدد على أن الهدف من القافلة هو إيصال صوت الشعوب في وجه حرب الإبادة التي يتعرض لها أكثر من مليوني فلسطيني، في ظل صمت رسمي عربي ودولي.

وأضاف: “كل العالم يتفرج على أعمال الإبادة، والحكومات لم تقم بما عليها، وآن الأوان للشعوب أن تتحرك”.

القافلة التي انطلقت صباح الاثنين من العاصمة التونسية، تجسد تحركًا شعبيًا مستقلاً بعيدًا عن الحسابات الرسمية، ما يزعج بعض الأنظمة التي تخشى أن يُظهر الحراك الشعبي هشاشة مواقفها وازدواجية خطابها تجاه فلسطين.

في خلفية هذا المشهد، يبدو واضحًا أن خطاب الإعلام المصري الرسمي لا يستهدف القافلة بقدر ما يحاول التهرب من الأسئلة الكبرى: لماذا تغلق مصر معبر رفح في وجه قوافل الإغاثة؟ ولماذا تصر القاهرة على التنسيق الأمني الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، بينما تتذرع بالأمن القومي لمنع دعم المحاصرين في غزة؟

ليس سراً أن خطاب الإعلام الرسمي المصري لم يعد مستقلاً منذ سنوات، بل أصبح أداة في يد أجهزة سيادية، تعمل وفق ما تمليه عليها العلاقات المعقدة مع تل أبيب وواشنطن. فكل تحرك شعبي يتعارض مع السياسات المصرية الرسمية يتم وصفه بـ”التهديد”، بينما يتعامل الإعلام نفسه بخنوع كامل مع الاحتلال الذي يمارس الحصار ويقتل المدنيين يوميًا في غزة.

الهجوم على “قافلة الصمود” ليس حادثاً عابرًا، بل يعكس توجهاً واضحاً في إدارة الدولة المصرية للملف الفلسطيني: إبقاء الحصار مفروضًا، والسيطرة على كل أشكال التضامن الشعبي، وتقديم الولاء الأمني لإسرائيل على حساب الكرامة القومية والدعم الإنساني.

ومع اقتراب القافلة من الوصول إلى مصر، تتصاعد التساؤلات: هل تنصاع القاهرة لضغوط الرأي العام وتسمح بدخول القافلة إلى رفح، أم ستخضع مجددًا لإملاءات الاحتلال وتُبقي غزة محاصرة باسم “السيادة” و”الأمن القومي”؟

اقرأ أيضًا : صمت وخيانة الحكام العرب: شاهد يقطع مؤتمر آبل للمطورين نصرةً لفلسطين وسط تواطؤ غربي وانحياز إعلامي