في مشهد يعكس واقع التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية وسط حالة من الصمت الدولي المريب، اقتحم متظاهر مؤتمر آبل للمطورين في كاليفورنيا، معلناً تضامنه مع الفلسطينيين الذين يعانون واحدة من أسوأ المجازر في التاريخ الحديث على يد الاحتلال الإسرائيلي. 

هذا الحدث ليس سوى جزء من سلسلة احتجاجات ورفض متزايد لما يجري في غزة، في وقت تبدو فيه الأصوات الرسمية في الغرب والحكومات العربية عاجزة أو متواطئة، مما يثير علامات استفهام كبيرة حول مواقفها من هذه الكارثة الإنسانية.

الحدث: صرخة في وجه القمع

بحسب تقرير نشره موقع “ذي فيرج” المتخصص في الأخبار التقنية، كان رئيس قسم البرمجيات في شركة آبل، كريغ فيديريغي، يلقي كلمته الافتتاحية في المؤتمر السنوي للمطورين حين قطع المتظاهر المشهد بصراخه. 

رفع المتظاهر سترته ليكشف عن ارتدائه الكوفية الفلسطينية، معبراً عن هويته الفلسطينية أو على الأقل تضامنه القوي مع القضية. بدا كأنه موظف في الشركة أثناء إعلانه صراخه، ما أثار دهشة الحضور.

لم تستمر المقاطعة أكثر من 30 ثانية، حيث تدخلت فرق الأمن وأخرجت المتظاهر، بينما واصل فيديريغي كلمته. لكن صدى هذا الحدث تجاوز حدود المؤتمر، ليصبح رمزاً صغيراً للرفض الشعبي لما يحدث في فلسطين.

سياق أوسع: احتجاجات مماثلة وتغطية إعلامية متحيزة

لم يكن هذا الحدث الأول من نوعه في شركات التكنولوجيا الكبرى الأميركية. فقد شهد مؤتمر “بيلد” لمايكروسوفت الشهر الماضي مقاطعة من موظف داعياً إلى “حرية فلسطين”، فيما فصلت الشركة لاحقاً مهندسة البرمجيات المغربية ابتهال أبو السعد وزميلتها فانيا أغراوال بعد احتجاجهما على دعم الشركة للإحتلال عبر تزويد إسرائيل بأنظمة ذكاء اصطناعي تستخدم في عمليات القتل الجماعي في غزة. 

جاء فصل الموظفتين في وقت احتفلت فيه مايكروسوفت بذكرى تأسيسها الـ50، مما كشف ازدواجية المعايير في تعامل هذه الشركات مع حقوق الإنسان.

تلك الأحداث تكشف عن زخم متنامٍ من الداخل الأميركي وحتى داخل الشركات الكبرى ضد سياسات دعم الاحتلال الإسرائيلي، لكن في المقابل، لا تزال المؤسسات الرسمية الأميركية والحكومات الغربية تصمت أو تبرر جرائم الاحتلال تحت حجج أمنية زائفة.

المجازر في غزة: إبادة جماعية مدعومة أميركياً

منذ هجوم الاحتلال على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحت غطاء دعم أميركي مكشوف، ترتكب قوات الاحتلال حرب إبادة جماعية تجاه سكان القطاع، حيث تتجاهل جميع النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف هذه العمليات.

وحسب تقارير حقوقية وإعلامية مستقلة، خلفت هذه الهجمات أكثر من 180 ألف شهيد وجريح، منهم عدد هائل من النساء والأطفال، مع ما يزيد على 11 ألف مفقود ومئات الآلاف من النازحين. كما تسبب الحصار والدمار في موجة مجاعة وأمراض أودت بحياة العديد من المدنيين.

الغرب وحجب الحقيقة: كذب الرواية الإسرائيلية

في ظل هذه المجازر، تقف وسائل الإعلام الغربية الرسمية في غالبها على الحياد المزعوم أو تدعم الرواية الإسرائيلية، متجاهلة توثيق الجرائم ضد المدنيين الفلسطينيين، بل وتغذي خطاب العدو الذي يبرر القتل الجماعي بـ”محاربة الإرهاب”. هذا التضليل الإعلامي لا يخدم سوى بقاء الاحتلال وحماية مصالح الدول الغربية في المنطقة، على حساب دماء آلاف الأبرياء.

التمثيل الإعلامي المضلل يخلق حالة من اللامبالاة في الشارع الغربي، ويصيب حركة التضامن الدولية بضعف ملحوظ، في حين أن الحقيقة على الأرض تؤكد وجود حملة إبادة واضحة لا يختلف عليها منصف.

الحكام العرب: صمت مخزٍ وخيانة واضحة

على الجانب العربي، يبدو المشهد أكثر سوءاً. فبينما تنهار البيوت الفلسطينية ويزهق الأطفال والنساء، يصمت أغلب الحكام العرب، أو يكتفون بخطابات سطحية لا تترجم إلى أفعال ملموسة.

هذا الصمت يفسره الكثيرون على أنه خيانة للقضية الفلسطينية، التي تعد قضية العرب الأولى تاريخياً. دعم بعض الأنظمة للعلاقات مع إسرائيل على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية يفتح الباب أمام استمرارية الاحتلال وتماديه في جرائمه دون رادع.

هذا التواطؤ العربي والغربي يعمق المعاناة الفلسطينية، ويضعف فرص الحل السياسي العادل، ويشجع الاحتلال على مزيد من الانتهاكات.

خلاصة: صوت الشعب في وجه الظلم

قطع المتظاهر مؤتمر آبل لم يكن فقط فعل احتجاج فردي، بل هو رمز لصوت الشعوب التي لا تزال ترفض الظلم، وتؤكد أن القضية الفلسطينية لن تموت في القلوب رغم الصمت الرسمي.

الرسالة واضحة: لا مستقبل للسلام في المنطقة ما دام هناك صمت وخيانة من الحكام العرب، ولا عدالة في ظل تضليل إعلامي غربي يدعم الاحتلال. وبدون ضغط شعبي ومقاومة حقيقية على المستويين الداخلي والدولي، ستظل المجازر مستمرة، والألم الفلسطيني بلا نهاية.

يجب على الشعوب في الشرق والغرب أن تستيقظ، وأن تحاسب حكوماتها على مواقفها المتخاذلة، وأن تحافظ على القضية الفلسطينية حية في الذاكرة والضمير، حتى يتحقق التحرير والكرامة.

اقرأ أيضًا : الحوثي يتحدّى العالم: معركة اليمن من صنعاء إلى غزة… لا تراجع عن مواجهة الاحتلال!