في خطوة أثارت موجة واسعة من القلق الحقوقي والسياسي، كشفت وسائل إعلام عبرية عن شروع مصلحة السجون الإسرائيلية في إعداد ترتيبات عملية لتنفيذ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في حال إقراره نهائيًا داخل الكنيست. هذه الاستعدادات، التي تشمل إنشاء مرافق خاصة وتدريب كوادر بشرية، تعكس توجّهًا تصعيديًا خطيرًا في التعامل مع ملف الأسرى، وتؤكد انتقال الاحتلال من سياسة العقوبات القاسية إلى تبنّي نهج الإعدام كأداة ردع وانتقام سياسي.
الخطوة، التي تأتي في سياق حرب مفتوحة على الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل العدالة في الأراضي المحتلة، وحدود التزام إسرائيل بالقانون الدولي، ومدى استعداد المجتمع الدولي لمواجهة هذا الانحدار الأخلاقي والقانوني.

استعدادات عملية لتنفيذ الإعدام داخل السجون
بحسب ما نقلته القناة 13 العبرية، بدأت مصلحة السجون الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة إعداد خطة متكاملة لتنفيذ أحكام الإعدام بحق أسرى فلسطينيين، في حال صدور قرارات قضائية نهائية بحقهم. وتشمل الخطة إنشاء مجمع مخصص لتنفيذ العقوبة، وتجهيز البنية التحتية، ووضع بروتوكولات تفصيلية للعمل، إضافة إلى تدريب طواقم مختارة لهذه المهمة.
وأفادت التقارير بأن هذا المجمع سيحمل اسم “الممر الأخضر الإسرائيلي”، وهو مصطلح يحمل دلالات نفسية وسياسية تهدف إلى إضفاء طابع “إجرائي” و”قانوني” على عملية قتل الأسرى، في محاولة لتطبيع الجريمة داخل المنظومة الأمنية.
كما أوضحت المصادر أن الإعدام سيتم شنقًا، عبر ثلاثة حراس يضغطون زر التنفيذ في وقت واحد، في آلية تهدف إلى توزيع المسؤولية الأخلاقية والقانونية، وتقليل الضغط النفسي الفردي على المنفذين، وهو أسلوب يعكس إدراك الاحتلال لطبيعة الجريمة التي يُقدم عليها.
استهداف مباشر لأسرى المقاومة الفلسطينية
وفقًا للتقارير العبرية، فإن القانون المزمع تطبيقه سيستهدف في مرحلته الأولى أسرى من حركة حماس شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023، قبل أن يتوسع لاحقًا ليشمل أسرى مدانين بتنفيذ عمليات في الضفة الغربية.
وتشير المعلومات إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام سيتم خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدور الحكم النهائي، ما يعكس رغبة واضحة في تسريع عمليات القتل القضائي، وتحويل المحاكم إلى أدوات سياسية لتنفيذ قرارات انتقامية.
كما كشفت القناة عن نية إرسال وفد رسمي إلى دولة في شرق آسيا لدراسة التجارب القانونية والتنظيمية لتنفيذ عقوبة الإعدام، في محاولة للاستفادة من نماذج دولية، وتكييفها مع الواقع الإسرائيلي، رغم الاختلاف الجذري في السياق السياسي والحقوقي.
هذه الخطوات تؤكد أن المسألة لا تتعلق بردع أمني بقدر ما تمثل مشروعًا متكاملًا لإضفاء الشرعية على تصفية الأسرى الفلسطينيين تحت غطاء القانون.
الإعدام كأداة ردع وانتقام سياسي
يرى مراقبون أن التوجه نحو تنفيذ عقوبة الإعدام يعكس فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في تحقيق الردع عبر الوسائل التقليدية، ولجوءها إلى سياسات أكثر تطرفًا لإرضاء الشارع اليميني المتطرف.
ويأتي هذا المشروع في سياق تصاعد الخطاب العنصري داخل الحكومة الإسرائيلية، التي باتت تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم “أعداء وجوديين”، وليسوا شعبًا خاضعًا للاحتلال يتمتع بحقوق إنسانية أساسية.
كما يُنظر إلى القانون باعتباره أداة سياسية لتثبيت صورة “الحزم” أمام الرأي العام الداخلي، وتوظيف ملف الأسرى في الصراع الحزبي، خصوصًا في ظل أزمات داخلية متفاقمة تعيشها الحكومة الحالية.
ومن زاوية أخرى، يمثل القانون محاولة لترهيب المجتمع الفلسطيني، عبر توجيه رسالة مفادها أن المقاومة ستقابل ليس فقط بالسجن المؤبد، بل بالإعدام العلني المنظم.
رفض أممي وتحذيرات من انتهاك القانون الدولي
في مقابل هذه الاستعدادات، أطلق 12 خبيرًا من الأمم المتحدة تحذيرًا شديد اللهجة، مطالبين إسرائيل بسحب مشروع القانون فورًا، ومؤكدين أنه يشكل انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة.
وأشار الخبراء إلى أن القانون العسكري الإسرائيلي في الأراضي المحتلة يتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا يراعي معايير المحاكمة العادلة، خاصة في ظل منظومة قضائية مسيّسة تستهدف الفلسطينيين بشكل ممنهج.
وأوضحوا أن المشروع يفرض الإعدام حتى في حالات لا تتوفر فيها نية القتل، ما يجعله أداة تمييز عنصري، ويكرّس نظامًا قانونيًا مزدوجًا يعامل الفلسطينيين كمواطنين من درجة أدنى.
هذه التحذيرات تعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا لخطورة السياسات الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه تفضح محدودية قدرة المجتمع الدولي على ترجمة المواقف الأخلاقية إلى إجراءات رادعة.
جريمة منظمة تحت غطاء القانون
في المحصلة، لا يمكن فصل الاستعدادات لتنفيذ الإعدام عن السياق العام لسياسات الاحتلال القائمة على القمع الممنهج، والتجويع، والقتل، والتدمير، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو داخل السجون.
إن تحويل الإعدام إلى إجراء إداري منظم، وتدريب موظفين على تنفيذه، وبناء مرافق مخصصة له، يكشف عن طبيعة النظام القائم، الذي بات يتعامل مع حياة الفلسطينيين باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه.
كما يؤكد هذا التوجه أن إسرائيل تمضي نحو ترسيخ نموذج “القتل القانوني”، الذي يشرعن الجريمة، ويحوّل المحاكم والسجون إلى أدوات للإبادة البطيئة.
وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى سيستمر العالم في الاكتفاء ببيانات القلق، بينما يتحول الإعدام إلى سياسة رسمية ضد شعب أعزل؟ وهل يشكل هذا القانون بداية مرحلة أكثر دموية في تاريخ الاحتلال، أم أنه سيفتح الباب لمحاسبة دولية طال انتظارها؟
اقرأ أيضًا : البرغوثي: المرحلة الثانية في غزة على حافة الانهيار وسط خروقات الاحتلال وتواطؤ دولي